فهرس الكتاب
فالحق أن من وقف على هذه الأوهام، والخرافات التي كان العرب، وغير العرب منغمسين في أرجاسها، ازداد علمًا بعظمة رسول الله"وفضل بعثته في إصلاح العقول، وتهيئة الأفكار؛ للبحث في العلوم، والسير بها إلى غايات سامية."
يقصد كل خطيب أو شاعر ناحية من نواحي كمال الرسول الأعظم _ صلوات الله عليه _ فيصفها، ويذكر الناس بها؛ ليزدادوا إيمانًا بأنه _عليه الصلاة والسلام_ قد بلغ الغاية التي لا تدرك إلا بعناية إلهية خاصة، وليتخذها طلاب السيادة في الدنيا، والسعادة في الآخرة المثل الأعلى يتأسون به، ويسيرون في ضوئه.
ومن أعظم ما يبهر العقول من خصال كماله"خصلة فصاحته وبلاغته."
لا يدعو رسول الله إلا إلى حق، ولا ينطق إلا بحكمة، وأعطي مع هذه العصمة أسمى ما يمكن أن يصل إليه البشر من فصاحة وحسن بيان؛ فإن الحكمة التي تلقى في أسلوب بليغ تنفذ إلى القلوب قبل أن تنفذ إليها الحكمة التي تلقى في عبارة غير بليغة، وإن الحق ليعتمد على الحجة، ولكن حسن البيان يسعد الحجة في جعل الحقِ أقربَ إلى النفوس، وأنفذ إلى القلوب.
وقد طلب موسى _ عليه السلام _ من الله _ تعالى _ أن يرسل معه أخاه هارون؛ ليشد أزره بفصاحة لسانه، وحسن بيانه، فقال: وأرسل معي أخي هارون [هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا] (القصص: 34) .
لفصاحة رسول الله وحسن بيانه بعد الفيض الإلهي أسباب، منها أنه قرشي، وقريش أفصح العرب لسانًا، وأبرعها بيانًا، وإنه نشأ في بني سعد حيث استرضع فيهم، وبنو سعد من أرقى قبائل العرب فصاحة.
وبذلك جمع الرسول الأكرم بين جزالة كلام البادية، ورونق كلام الحاضرة.
(1) مجلة الهداية الإسلامية، الجزء العاشر من المجلد الحادي عشر الصادر في ربيع الثاني سنة 1358 _ مايو 1939، وانظر محمد رسول الله وخاتم النبيين للشيخ محمد الخضر حسين، إعداد علي الرضا الحسيني، ص 163_168.