ولنزول القرآن الكريم عليه _ وهو البالغ مرتبة الإعجاز _ أثر كبير في سمو فصاحته.
رأى رسول الله"سحابة في يوم دجن، فقال لمن كان في الحضرة: =كيف ترون بواسقها؟ + (1) ."
قالوا: ما أحسنها، وأشد تراكمها.
قال: =كيف ترون قواعدها؟ + (2) .
قالوا: ما أحسنها، وأشد تمكنها.
قال: =كيف ترون رحاها؟ + (3) .
قالوا: ما أحسنها، وأشد استدارتها.
قال: =كيف ترون جونها؟ + (4) .
قالوا: ما أحسنه، وأشد سواده.
قال: =كيف ترون بريقها: أخفيًا أو ميضًا، أم يشق شقًا؟ +.
قالوا: بل يشق شقًا.
فقال: =الحيا+ (5) .
فقال رجل: يا رسول الله ما أفصحك! ما رأينا الذي هو أعرب منك.
قال: =حق لي؛ فإنما نزل القرآن عليَّ بلسان عربي مبين+.
ولسعة العلم بلهجات العرب دخل كثير في إحراز المرتبة العليا في مرتبة الفصاحة، وقد أَطْلَع اللهُ الرسول الأكمل على لهجات العرب؛ فكنت موضوعة أمامه يتناول منها ما يشاء.
ومن الوارد في كتب الحديث والسيرة بروايات ثابتة متعددة أنه كان يخاطب الوفود، ويراسل القبائل بلهجاتهم، حتى كان بعض الصحابة يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله (6) .
وقد جمع الرواة من هذا الباب شواهد كثيرة.
ومن ينظر فيما روي عنه من الخطب، والرسائل، والمحاورات، والفتاوى، وما يلقيه في أثنائها من الحكم، وما يورده فيها من الأمثال، والاستعارات _ يرى في ذلك من وجوه البلاغة، وحسن البيان ما لم يره، ولن يره قد تَأَتَّى لأحد البلغاء من غيره.
ووصف الجاحظ فصاحة النبي"وبلاغته في فصل ممتع، ثم قال: =ولعل بعض من يتسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلام يظن أننا تكلفنا له من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره."
(1) بواسقها: ما استطال من فروعها.
(2) ما اعترض من السحاب وسفل.
(3) رحاها: وسطها.
(4) الجون: الأسود.
(5) المطر.
(6) الشفاء للقاضي عياض.