فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 181

وهذا خالد بن الوليد كان في وقعة أحد قائد خيل المشركين، وكان المفروض فيه لما عاد من غزوة أحد إلى مكة أن يكون ثملًا بخمرة ما اتفق له من فوز؛ فيكون ذلك أبعد له عن الاستجابة لنداء الحق.

لكننا رأيناه في أوائل السنة الثامنة للهجرة يزهد في عظيم الجاه الذي كان لأبيه وبيته في أم القرى، ويخرج متوجهًا إلى المدينة؛ ليلتحق بدعوة الحق؛ فالتقى في الطريق بين مكة والمدينة بعمرو بن العاص السهمي، وعثمان بن طلحة أحد بني عبدالدار سدنة الكعبة، قال عمرو: فقلت لخالد: إلى أين يا أبا سليمان؟

قال خالد: والله لقد استقام المنسم، وإن الرجل لنبي، إني أذهب والله لأسلم، فحتى متى؟.

قال عمرو: وأنا والله ما جئت إلا لأسلم.

وقال صاحب مفتاح بيت الله الحرام مثل مقالتهما.

فلما دخلوا على رسول"ونظر إليهم من بعيد قال لأصحابه: =لقد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها+."

قال عمرو: فتقدم خالد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي.

فقال": يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجبُّ ما قبله، وإن الهجرة تجبُّ ما قبلها."

ونقل الحافظ ابن حجر في الإصابة عن الزبير بن بكار أن رجلًا سأل عمرو ابن العاص: ما أبطأ بك عن الإسلام، وأنت أنت في عقلك؟

فأجابه: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدُّم، وكانوا ممن توازن حلومهم الجبال؛ فلما بعث النبي"فأنكروا عليه قلدناهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا، فإذا حقٌّ بَيِّنٌ؛ فوقع في قلبي الإسلام، فعرفت قريش ذلك من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم عليه؛ فبعثوا إليَّ فتى منهم فناظرني في ذلك، فقلت: أنشدك الله ربك ورب آباءك من قبلك ومن بعدك أنحن أهدى، أم فارس والروم؟"

قال: بل نحن أهدى _ أي أعقل وأعظم بصيرة وإدراكًا لحقائق الأمور_.

(1) مع الرعيل الأول ص 7 _ 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت