والجواب: أن القوم يعلمون أنه ينطق بالحكمة, ويجادل بالحجة, وإنما رموه بالجنون؛ تناهيًا في العناد, وقصدًا للإساءة بالقول, وحكى الله عنهم ذلك الزعم البين البطلان؛ ليرينا مبلغهم من العناد، وسقوطهم أمام الحجة، وتخبطهم في تطلب وجه يصرفون به الناس عن إجابة دعوته.
وأي تخبط بعد تخبط من يأتي إلى أرجح البشر عقلًا, وأسناهم خلقًا, وأحسنهم سمتًا, وأجلّهم وقارًا _ فيقول عنه: إنه مجنون؟!
وقد انحدرت من سماء ذلك العقل العظيم حِكَمٌ أنفسُ من الدرر, وأنفع من الغيث, وفي وسعي أن أسوق إليكم منها مثلًا, وأنبّه على ما ينطوي تحتها من المعاني السامية ولكن ضيق الوقت يدعوني إلى أن أقف عند هذا الحد.
للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين
بعث الرسول الأعظم _ صلوات الله عليه _ بالدعوة إلى الإصلاح الذي تصل به الأفراد، والأمم إلى الحياة الطيبة في الدنيا، والسعادة العظمى في الأخرى، ونواحي هذا الإصلاح ترجع إلى العقائد، والأخلاق، والعبادات المقربة إلى الله _ جل جلاله _ والمعاملات الجارية بين الناس.
وهناك ناحية أخرى هي: تنقية النفوس من المزاعم الباطلة، والتعلق بالعادات المستهجنة _ قد اتجهت إليها دعوة الرسول.
وهذه الناحية هي التي نقصد أن نلقي فيها كلمتنا الموجزة.
بعث رسول الله"فوجد العرب في ظلمات من الجهالة، ومن هذه الظلمات ظلمة التخيلات الزرية، والعادات الممقوتة؛ فأقبل ينبه على بطلان هذه التخيلات، وقَبَّح ما ابتني عليها من العادات، حتى نبذها المسلمون بحق، وبمثل هذا كانوا خير أمةٍ أخرجت للناس."
(1) مجلة الهداية الإسلامية الجزء العاشر من المجلد العاشر الصادر في ربيع الثاني 1357_1938، وانظر محمد رسول الله وخاتم النبيين للشيخ محمد الخضر، إعداد علي الرضا الحسيني، ص 157_162.