فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 181

وفي هذا ما يشرح لنا تلك المجادلة التاريخية العظيمة الجارية بين عظيمين من عظماء أمتنا عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان؛ إذ شاهد عمر حين مقدمه الشامَ فخامةَ إمارةِ معاويةَ هنالك فقال له: =أَكُسْرَوَيَّةٌ (1) يا معاوية؟! +.

فقال معاوية: =إننا بجوار عدو فإذا لم يروا منا مثل هذا هان أمرنا عليهم+.

فقال عمر حينئذ: =خدعة أريب، أو اجتهاد مصيب لا آمرك ولا أنهاك+.

الآن تهيأ لنا أن نفيض القول في صفة مجلس رسول الله"ومتعلقاته، وهو مبحث جليل لم يسبق للعلماء الباحثين عن السيرة والشمائل النبوية تدوينُه، وتخصيصُه بالبحث والتبويب، واستيعابُ ما يتعلق به."

ومن العجب أن ذكر هذا المجلس الشريف ورد في القرآن، قال الله _تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا] .

قال جمهور العلماء من السلف ومن بعدهم: المراد بالمجلس في الآية هو مجلس رسول الله، وسأذكر ذلك في المبحث المناسب له.

ثم إني لم أر لأحد من الباحثين في السيرة من ذكر هذا المجلس سوى عياض في كتاب الشفاء؛ فإنه ذكره بكلمة واحدة في غرض آخر؛ إذ قال في فصل زيارة القبر الشريف هذه العبارة: =قال إسحاق بن إبراهيم (2) الفقيه: لم يزل مِنْ شأن مَنْ حجَّ المرورُ بالمدينة، والقصد إلى التبرك برؤية مسجد رسول الله، وروضته، ومنبره، وقبره، ومجلسه+ ا _هـ.

فكان حقًَّا علينا أن نخصه بمقال أتقصَّى فيه ما تناثر في خلال كتب الحديث والسيرة؛ فيجيء بحثًا أُنُفًا (3) يبهج من كان بسيرة رسول الله كلفًا.

* صفة مجلس الرسول _عليه السلام _:

(1) كسروية: منسوبة إلى كسرى، والمعنى: أهيئة كسروية، أو أإمارة كسروية؟

(2) هو إسحاق بن راهويه.

(3) أُنُفًا: أي جديدًا (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت