فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 181

وكثير من حكماء العرب وبلغائهم يسمعون القرآن؛ فيدخل الإيمان في قلوبهم من غير حاجة إلى أقيسة منطقية: شرطية أو جملية؛ ذلك أنهم يتلقون الدعوة وهي محفوفة بدلائل الصدق من كل ناحية، وليس بينهم وبين الاهتداء بهذه الدلائل سوى التنبه لوجه دلالتها.

ومن شواهد التاريخ على هذا قصة عمر بن الخطاب ÷ إذ قرئت عليه سورة طه فانشرح صدره للإسلام، وقال: أين رسول الله؟ فقيل له في دار أرقم ابن الأرقم، فقصد إليه فورًا، وسرعان ما نطق بالشهادة بين يديه.

وينبئكم أن القرآن الحجة الناطقة على صدق المبعوث به قوله _تعالى_: [ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ] (المائدة:82_83) .

فالآية ظاهرة في أن هؤلاء القسيسين والرهبان لم يزيدوا على أن سمعوا قرآنًا يتلى، فعرفوا فيه وجه الحق، فقالوا: [رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ] (المائدة:83) .

وفي قوله _تعالى_: [أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ] (العنكبوت: 51) ما هو صريح في أن القرآن آية كافية للدلالة على صدق الدعوة، وصحة الرسالة.

وانظروا إلى قوله _تعالى_: [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ] (التوبة:6) .

فالآية منبهة لما نقول من أن تلاوة القرآن على الضالين تكفي في هدايتهم، وإقامةِ الحجة عليهم متى كانوا يتدبرون.

ومجادلتُهم بعد إسماعهم القرآن إنما هي لإزاحة الشبهة التي تخالط أوهامهم أو تكشف عما يلفقونه من زور وبهتان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت