فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 181

فقد عاش رسول الله"وهو محاط بأعدائه الذين يتمنون له الموت العاجل، ويحرصون أشد الحرص على أن لا يتأخر في الحياة ساعة من زمان، وهم أصحاب جرأة واغتيال، ولم يكن _ عليه الصلاة والسلام _ ممن يجعل بينه وبين الناس حجابًا، ولا يهتم بأن يتخذ منهم حراسًا، وكان يضع نفسه عندما يحمى وطيس الحرب بالمكانة الأولى، ومع ما لأعدائه من التلهف على قتله والتهالك على الفتك به، ومع ماله من الانفراد عن أصحابه في كل حين من الأحيان، وظهوره لأعدائه كلما رغبوا في الاجتماع به، وتقدمه لمواقع الجهاد ليس بينه وبينهم حامية _ لم يأته أجله إلا وهو على فراشه، وذلك مصداق قوله _تعالى_: [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ."

ومن شواهد هذا قوله _تعالى_: [الم (1) غُلِبَتْ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ] الروم.

وقد وقع ما أخبر به القرآن فعاد الروم بعد غلبهم إلى محاربة الفرس، وظهروا عليهم في السنة السابعة من الهجرة، ويروى أن خبر هذه الواقعة كان السبب في إسلام أناس من الجاحدين غير قليل.

ومن تلك الوجوه قوة أدلته، فقد عرفنا أن محمدًا _ صلوات الله عليه_ قد نبت في وادي جاهلية، ونشأ في أمية، ونجد مع هذا حجج القرآن العقلية القائمة نافذة، كقوله في الاستدلال على وجود الخالق: [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ] (الطور:35) .

فإن المعنى: أُوجِدوا من غير موجد أم هم الذين أوجدوا أنفسهم؟!

وكلا القضيتين غير صحيح، فوجب أن يكونوا صنع قادر حكيم.

وكقوله في الاستدلال على وحدته: [لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا] (الأنبياء:22) .

وقوله: [وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ] (المؤمنون:91) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت