فهرس الكتاب
فما القول في أميّ نشأ بين أميين، قام بذلك الإصلاح الذي تغيَّر به تاريخ البشر أجمعين: في الشرائع، والسياسات، وسائر أمور الدنيا والدين؟ وامتدَّ مع لغته في قرن واحد من الحجاز إلى آخر حدود أوربا وأفريقيا من الغرب، وإلى حدود الصين من جهة الشرق حتى خضعت له الأمم، ودانت له الدول، وأقبلت إليه الأرواح قبل الأشباح، وكانت تتبعه في كل فتوحه الحضارةُ، والمدنيةُ، والعدل والرحمة، والعلوم العقلية والكونية على أيدي تلك الأمة الحديثة العهد بالأمية، التي زكَّاها القرآن، وعلَّمها أن إصلاح الإنسان يتبعه إصلاح الأكوان؛ فهل يمكن أن يكون هذا إلا بوحي من لدن حكيم عليم، وتأييد سماوي من الإله العزيز القدير الرحيم؟
رابعًا: من أخلاق النبي":"
كان النبي"أكرم الخلق أخلاقًا، وأعلاهم فضائل وآدابًا، امتاز بذلك في الجاهلية قبل عهد النبوة فكيف بأخلاقه بعد النبوة؟."
وقد خاطبه ربُّه _تبارك وتعالى_ بقوله له: [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] (القلم:4) .
لقد أدَّبهُ ربُّه، فأحسن تأديبه، وربَّاه فأحسن تربيته، فكان خُلُقهُ القرآن الكريم، يتأدب به، ويؤدب الناس به، فمن أخلاقه"أنه كان أحلم الناس، وأعدلهم، وأعفَّهم، وأسخاهم."
وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويعين أهله في المنزل، ويقطع اللحم معهن، وكان أشد الناس حياءًا، لا يثبت بصره في وجه أحد.
وكان يجيب الدعوة من أي أحد، ويقبل الهدية ولو قلَّت، ويكافىء عليها، وكان يغضب لربِّه، ولا يغضب لنفسه، وكان يجوع أحيانًا فيعصب الحجر على بطنه من الجوع، ومرة يأكل ما حضر، ولا يرد ما وجد من المباح، ولا يعيب طعامًا قط، إن وجد تمرًا أكله، وإن وجد شواءًا أكله، وإن وجد خبزَ برٍّ أو شعير أكله، وإن وجد حلوًا أو عسلًا أكله، وإن وجد لبنًا دون خبز اكتفى به، وإن وجد بطيخًا أو رطبًا أكله.
وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس.