تحتاج المدينة الفاضلة إلى الاستكثار من الأفاضل فيها، حتى تعتضد عزتهم النفسانية بالعزة الجثمانية، وإن كانت العزة الجثمانية في الدرجة الثانية كما قال السموأل:
وما ضرّنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
يريد ما ضرنا القلة إذا كنا أعزاء؛ لأن عزةَ الجار هنا كناية عن عزة من أجاره، ومن أجل هذا قصد الإسلام إزواء المؤمنين كلهم إلى المدينة، فكانت الهجرة إليها واجبة على المسلمين الذين يسلمون بمكة.
قال الله _ تعالى _: [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا] الأنفال: 72.
وقال: [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) ] النساء.
إلا من أذن له النبي"في الالتحاق بأفقه، مثل الأعرابي الذي قال له: ويلك إن الهجرة شأنها شديد، ثم قال له: اعمل من وراء البحار."
وقد كان الأعراب النازلون حول المدينة من مزينة وجهينة وأشجع وغفار معدودين كالنازلين بالمدينة، ولما فتحت مكة نسخ حكم الهجرة.
تحتاج المدينة الفاضلة إلى سلامة سكانها من الآفات الجسدية؛ ليتم لهم التمتع بالصحة، فيكونوا أهل مقدرة على الأعمال العظيمة، ويطولَ الانتفاع بفضلهم.