الصفحة 14 من 23

المرافق الاقتصادية الأخرى، وتدرس وضع الريف، من خلال وثائق السجل الشرعي، وترصد أنواع العملة المتبادلة خلال فترة الدراسة.

أولًا: دمشق ومكانتها الاقتصادية:

شهدت الدولة العثمانية إبان القرن 12 ه‍/ 18 م، تحولات اقتصادية، أخذت شكلها كجزء من حركة اقتصادية عالمية [1] ، وكانت دمشق كولاية عثمانية آنذاك، مرشحة لأن تشهد نشاطًا تجاريًا ملحوظًا، وتبادل فعلي في حجم السلع، بينها وبين الأقاليم المجاورة، وقد تعزز ذلك النشاط مبكرًا بفعل موقع المدينة المتوسط بين حواضر عرفت بدورها التجاري كحلب، والقدس، ومدن الساحل الفلسطيني، ومدن الحجاز جنوبا من جهة، وباعتبارها آخر محطة لدرب الحرير من جهة أخرى [2] .

لم تقف عوامل الازدهار التي أصابت دمشق عند تلك الأسباب، بل إن ازدهارها التجاري خلال النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، ارتبط بعاملين ذاتيين آخرين، هما: تطور المنتوجات الزراعية في جنوب الشام وتدفقها إلى دمشق، وهذا عامل محلي [3] ، وعامل آخر وهو إقليمي، يتمثل بنمو المبادلات التجارية بين دمشق والأطراف.

ونتج نمو المبادلات التجارية، بسبب الآثار التي ترتبت على الحروب الصفوية العثمانية التي نشبت خلال الفترة الممتدة بين عامي 1143 - 1160 ه‍/1729 - 1747 م، والتي قطعت الاتصال التجاري بين حلب وأصفهان؛ بسبب التهديدات الصفوية بانتزاع العراق ومحاصرة الموصل في شمالها [4] ، ويضاف إلى ذلك سيطرة روسيا على المناطق المنتجة للحرير في شمال فارس بين عامي 1119 - 1121 ه‍/1721 - 1722 م، الأمر الذي جعل النشاط التجاري في مدينة حلب يتراجع لصالح دور دمشق الاقتصادي.

ويبدو أن ذلك قد ساعد في تحول الطريق التجاري باتجاه معاكس لطريق حلب أصفهان، وهو طريق مكة - دمشق، كما يضيف Elisseff. N إلى تلك العوامل الإقليمية اعتبار دمشق نقطة التقاء بين ساحل المتوسط ومراكزه التجارية من جهة، ومحل انتهاء سير القوافل التجارية القادمة من البادية الشرقية والمناطق الجنوبية من جهة أخرى.

(1) حول التحولات الاقتصادية العالمية وآثارها على الدولة العثمانية، انظر: بيري اندرسون، دولة الشرق الاستبدادية، ترجمة: بديع عمر، بيروت، مؤسسة الأبحاث، 1983 م، ص 22. وزيفي يهودا هرشلاغ، مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط، ترجمة، مصطفى حسين،

دار الحقيقة، بيروت، 1973 م، ص 32.

(4) حول هذه الحروب انظر: عبد الكريم رافق، بلاد الشام ومصر من 1516 - 1798 م، ط 2، دمشق، 1968 م، ص 301. ومحمد فريد بيك المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، دار الجيل، بيروت، 1977 م، ص 320. وروبير مانتران، الدولة العثمانية، ج 2، ص 407.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت