ولم يقف البديري ومعاصره ابن كنّان وغيرهما، عند هذا الحد، بل عنوا جميعًا بإخبار تلك الأسواق، وما يدور فيها من أحداث عامة (وأعمال شغب وفتن) [1] ، كما أنهما يُبديان اهتمامًا واضحًا بمسألة ارتفاع الأسعار [2] ، وإنعدام الرقابة على الأسواق، وحجب السلع واحتكارها عن الناس، من أجل رفع أسعارها [3] ، ويبدو أن تلك العملية لم تكن هاجس كبار التجار فقط، بل اشترك فيها بعض الولاة، والعلماء أحيانًا [4] ، الأمر الذي جعل مثل هؤلاء عرضة للنقد من قبل أولئك المؤرخين وأهل المدينة.
ويظهر ذلك النقد عبر جملة من العبارات، التي يغلب عليها طابع التحسر والندم وخوف العاقبة، ومنها:"اللهم فرج آمين" [5] ، و"أرسل الوالي خلف بائعي القمح وهددهم فحلفوا له ما عندهم شيء، فقال لهم: أنا عندي قمح كثير في حماه فاطلبوه ... فجاءهم من حماه وباعوه على السعر الواقع، وقد طالت هذه الشدة" [6] . وفي صيغة أخرى:"وكلّ شيء زاد عن حده والحكم لله في عبده، وقد دام هذا الأمر سبع أو ثماني سنين، لكن في هذا العام زاد الحد، والحكّام لم يفتشو على الرعية"، و"الحكم لله"،"والغلاء بهذه الدرجة ... ولكن من قلة التفتيش والالتفات" [7] .
يعود إنشاء القيساريات، والخانات، والوكلات، في مدينة دمشق إلى عصور إسلامية متقدمة عن فترة الدراسة [8] ، وساهم تطورها التاريخي في أن تضطلع بدور موازٍ للأسواق في حركة التجارة اليومية، أو تشغيل تجارة المواسم، التي تُعرض فيها سلع محددة حتى سميت بها.
وتشير الوثائق وكتب التراجم خلال فترة الدراسة، إلى مصطلحي الخان والقيسارية بنفس الدلالة [9] ، رغم الفرق بين المصطلحين [10] ، ويبدو أنها غدت نقاط تجمع اقتصادية نشطة، شهدت مختلف أنواع المبادلات التجارية، وكان لكل منها، وحسبما يستدل من السجل الشرعي، قضاياها الخاصة [11] . ومن الخانات التي تذكرها اليوميات خان الحرمين [12] ، وخان الأكراد [13] ، وخان الأبارين [14] ، وخان الليمون [15] . هذا إلى جانب إشارات طفيفة لوجود مرافق اقتصادية تحت مسمى الوكالة، فالمؤرخ المحبي يعطي
(1) ابن كنّان، الحوادث، ص 78، 355، 362، 16، 258. البديري، حوادث، ص 49، 57.
(2) ابن كنّان، الحوادث، ص 13، 106، 382، 473. البديري، حوادث، ص 4، 10، 25، 35، 37، 41، 63، 74، 81، 82، 84، 88، 97، 98، 106، 108، 125، 126، 129، 130، 151، 152، 163، 166، 182، 185، 197، 199، 216، 217، 229، 232، 233.
(3) البديري، ص 185.
(4) ابن كنّان، الحوادث، ص 13، 106، 382. البديري، حوادث، ص 4، 10، ويقول البديري بحق مفتى دمشق حامد العمادي في أحداث سنة 1162 ه:"... وبلغني أن حامد العمادي مفتي دمشق كان قد خزًّن، القمح، مثل الأكابر والأعيان الذين لا يخافون الرحمن الرحيم، وأن الكيالة جاءوا اليه وقالوا: نبيع الحنطة كل غرارة بخمسين قرشًا، فقال لهم: مهلًا لعل الثمن يزيد، فإذا كان مفتى المسلمين ما عنده شفقة على خلق الله فلا تعتب على غيره". البديري، حوادث، ص 127.
(5) البديري، حوادث، ص 193.
(6) البديري، حوادث، ص 47.
(7) البديري، حوادث، ص 49، 82، 111.
(8) حول خانات دمشق وتاريخها، انظر: عبد القادر الريحاوي، خانات مدينة دمشق، مجلة الحوليات السورية، المجلد، 25، 1972 م، ص 49 - 50. العلبي، خطط، ص 469 - 486.
(9) تذكر السجلات لفظ الخان والقيسارية دون تفريق بين المفردين، انظر: سجل 112، حجة 74، 15 شوال 1158 ه/ 1740 م، ص 32. ويرد ذكر قيسارية البنت في الصالحية ثم تعود فتذكر بخان البنت. وانظر: المحبي، خلاصة، ج 4، ص 356.
(10) حول الفرق بين الخان والقيسارية، انظر: Elisseeff,N art. Khan, E. I 2. Vol. 4. p 1010 - 1017. وانظر كذلك في: محمد الأرناؤوط، معطيات عن تاريخ دمشق وبلاد الشام الجنوبية، ط 1، دار أبجدية، دمشق، 1995 م.
(11) سجل 154، حجة 425، 15 شعبان، 1173 ه/ 1759 م، ص 242. وسجل 134 حجة 72، 14 شوال، 1164 ه/ 1750 م، ص 37. وسجل 56، حجة 52، 16 شعبان، 1138 ه/ 1725 م، ص 23. وانظر كذلك في:
(12) البديري، حوادث، ص 167، ويقع هذا الخان في محلة باب البريد.
(13) البيدري، حوادث، ص 146.
(14) ابن كنّان، الحوادث، ص 117، ويقع في سوق الابارين. انظر: ابن كنّان، الحوادث، ص 156.
(15) ابن كنّان، الحوادث، ص 367، وحسب إشارة ابن كنّان فقد جدد هذا الخان سنة 1139 ه/1726 م، من قبل والي دمشق،"فجعله عشرة مسالخ يذبح بها اللحم لا في غيره".