الصفحة 19 من 23

الوكالات والخان نفس الدلالة، وتعامل معها، أحيانًا، بمعنى"النزل خانة"الذي هو اقرب في هذه الحالة إلى مفهوم القيسارية [1] .

بُنيت الخانات وفق طراز معماري وهنّدسي واحد، بحيث كانت تتوزعها المخازن في الطابق الأرضي، بينما يحوي الطابق العلوي على حجرات مسقوفة بالقباب لها عقود، وكان يقيم بعض التجار، إلى حين الانتهاء من عرض بضائعهم وتسديد أثمانها [2] ، أو ربما أنهم وفدوا إليها في حال قدومهم للمدينة لسداد ديونهم.

ولم يقتصر دور الخانات في حركة التجارة، فقد أُلحق ببعضها زوايا للفقراء يأوون إليها، واستخدم بعضها لإيواء الغرباء والرواحل، وفي هذه الخانات ما وجد في سوق الخيل، ومنطقة العمارة التي كانت تمتد من باب توما قبلة إلى نهر تورا شمالا [3] ، ولم يقتصر وجود الخانات داخل سور المدينة، بل إنها وجدت في الأرياف وعلى طرق التجارة [4] ، ولكن النشاط الأكثر فاعلية كان، حسب ما تشير إليه المصادر، في الخانات التي انتشرت داخل محيط المدينة.

تشير وثائق السجل الشرعي إلى أشكال المبادلات التجارية والقضايا الاقتصادية في بعض الخانات، التي كانت، حسب وثائق السجلات الشرعية تشهد حركة تجارية نشطة، ويمكن الاستدلال من حجم الوثائق ونوعيتها على تفوق بعض الخانات عن غيرها، ومن هذه الخانات، التي جاءت على ذكرها وثائق السجل الشرعي، خان البطيخ الذي يقع في منطقة العوينية في الجهة القبلية من المدرسة الشامية البرانية [5] ، وهناك خان الجوخية، الذي عرف باسم آخر وهو خان الجوخية، وذلك بسبب وقوعه في سوق الخياطين، وقد بني في بداية الحكم العثماني سنة 960 ه‍/1552 م [6] .

ومن الخانات التي شيدت في القرن 11 ه‍/17 م خان الزيت، وحسب مادة السجل الشرعي، فقد بني الخان في سوق مدحت باشا، وقد ذكره المؤرخ محمد أمين المحبي (ت 1111 ه‍/1699 م) [7] ، ويظهر أن النشاط الذي عرفته مثل هذه المنشآت كان دافعًا لبعض ولاة دمشق، خلال فترة الدراسة، بالتوجه نحو بناء الخانات، ومنهم أسعد باشا العظم الذي بني خانًا باسمه [8] ، وكذلك الحال مع سليمان باشا العظم [9] ، الأمر الذي يؤكد

(1) انظر: المجبي، خلاصة، ج 4، ص 356، 357.

(2) لوران، درافيو، وصف دمشق في القرن السابع عشر، ط 1، ترجمة: أحمد ايبش، دمشق، دار المأمون للتراث، 1982، ص 30. عبد القادر الريحاوي،"خانات دمشق"، مجلة الحوليات السورية، دمشق، مجلد 5، ص 32.

(3) انظر حول حارات دمشق ومنطقة العمارة في: يوسف نعيسة، مجتمع مدينة دمشق، ط 1، دار طلاس، 1986 م، دمشق، ج 1، ص 80.

(4) المرادي، سلك الدرر، ج 4، ص 23، 48.

(5) بنيت هذه المدرسة سنة 582 ه‍/1186 م على يد خاتون ست الشام ابنة نجم الدين أيوب، وتعد هذه المدرسة من كبرى مدارس الشافعية في دمشق، وهي لا تزال موجودة حتى اليوم، ويجري حاليا ترميمها. انظر عنها في: عبد القادر بن محمد النعيمي (ت 927 ه‍/1520) ، الدراس في تاريخ المدارس، تحقيق جعفر الحسيني، المجمع العلمي العربي، مطبعة الترقي، 1928، دمشق، ج 1، ص 277. العلبي، خطط، ص 124 - 126. وانظر عن الخان في سجل 65، حجة 25، صفر 1116 ه‍/1704 م، ص 12، 23.

(6) انظر سجل 156، حجة 134، 11 جمادى الأولى، 1132 ه‍/1729 م، ص 43.

(7) المحبي، خلاصة، ج 2، ص 25. وانظر: سجل 133، حجة 48، 3 ربيع الأول، 1165 ه‍/1751 م، ص 23.

(8) حكم أسعد باشا العظم أطول مدة خلال القرن 12 ه‍/18 م مقارنة مع غيره، بدأ حكمه سنة

1156 ه‍/1743 م، واستمر فيها حتى عام 1171 ه‍/ 1757 م، انظر: البديري، حوادث، ص 219.

(9) حكم سليمان باشا العظم في دمشق مدة خمس سنوات (1151 ه‍/ 1738 م- 1156 ه‍/1743 م) ، انظر عنه في: ابن كنّان، الحوادث، ص 199. القاري، رسلان بن يحيى، كان حيًا (1132 ه‍/ 1719 م) ، الوزراء الذين حكموا دمشق، نشره صلاح الدين المنجد، دمشق، 1949، ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت