دور هذه المنشآت في إنماء وتكوين مصارد دخل جديدة -أيضًا- لهم.
ولم يكن التوجه نحو تشييد الخانات ذا أثر على الجهة التي شيدتها، بل إنها كمرافق خدمات اقتصادية، كانت توفر عددا من الوظائف والمهن لأبناء المجتمع، فطبيعة الدور التجاري لها يقتضي توفر الحمالين والعتالة الذين يقومون بنقل البضائع، والبوابين ورجال الحراسة الذين كان اغلبهم من المغاربة، وإقامة التجار فيها للراحة في حجرات الخانات التي كانت تستلزم وجود مؤدي الخدمات مثل: بائعي الشراب، وطهاة الطعام، وصناع القهوة، وحاملي الغلايين، ومعدي النرجيلة، ومثل هذه المهن تشير إلى وجودها وثائق السجل الشرعي، إلى جانيب مشاهدات الرحالة الأجانب [1] .
بالرغم من توفر أسباب الازدهار الاقتصادي لمدينة دمشق أوائل القرن 12 ه/18 م، إلا أنها فيما يبدو لم تصل إلى الدور الذي كانت تلعبه مدينة حلب في مجال التجارة الإقليمية [2] ، فدمشق كانت عرضة للكساد الاقتصادي الذي ارتبط بتهديدات البدو وسطوتهم واعتدائهم المتكرر على قافلة الحج الشامي [3] .
وتشير وثائق السجل الشرعي إلى أن هناك سلعًا كانت تُجلب من مدن جبل لبنان والبقاع، كما ترد بعض القضايا التي تدل على وجود حوالات تجارية بين مدن الساحل الشامي، وفلسطين ودمشق [4] ، ومن شأن مثل هذا النوع من العلاقة التجارية، التي قد ينجم عنها نمط من المنافسة التجارية، أن يؤثر على الاقتصاد المحلي الدمشقي.
وتدل المادة التي ترصدها وثائق السجل الشرعي على مجموعة كبيرة من قضايا البيع والشراء [5] ، مما يشير إلى حركة نشطة في مجال البيع والشراء، وتبادل السلع المحلية، كما يستدل من إحدى الحجج على وجود نظام للحوالات المالية بين بعض تجار طرابلس ودمشق [6] ، في حين تشير بعض الوثائق الخاصة بالعائلات والحكام، إلى أنهم استطاعوا شراء مجموعة واسعة من الأرض الزراعية الخصبة في القرى المجاورة لدمشق [7] ، هذا إلى جانب مشاركتهم في حركة البيع والنشاط التجاري، من خلال القوافل، أو تنظيم عمليات شراء السلع واحتكارها عن العامة [8] ، وهنا يمكن الربط بين المكانة الاجتماعية للفئات
(2) البديري، حوادث، ص 60، ويشير البديري الى هنا الى قافلة التجارة التي كانت تمر بين بغداد ودمشق، ص 24. ابن كنّان، المواكب، ج 2، ص 114. وانظر في:
ويستدل من السجل الشرعي على علاقات تجارية مع البصرة، انظر: سجل 61، حجة 524، 251، 4 ذي الحجة 1142 ه/ 1729 م.
(3) حول الاعتداءات المتكررة على قافلة الحج، انظر: ابن كنّان، الحوادث، ص 7، 29، 31، 88. البديري، حوادث، ص 182. وراجع إبراهيم الشرعة، موقف القبائل البدوية، ص 336.
(4) القاسمي، قاموس، ج 1، ص 79. Abdel-Nour. Introduction, p 45 .
(5) البديري، حوادث، ص 28.
ويشير السجل الشرعي إلى تلك العلاقة:"لدى مولانا ... حضر الخليل بن الحاج حمد بن رباح الوكيل الشرعي عن ... إلى نقل 16 غرارة سمسم من نابلس، وحملها على حماله الجارية ويوصلها إلى دمشق وله عن ذلك 60 غرس فضة صحيحة"11 سجل 48، حجة 77، 9 جمادى الثانية، 1170 ه/1756 م، ص 116. وانظر كذلك: نفس السجل حجة 296، 11 ذي القعدة، 1133 ه/ 1749 م، ص 196. ونص الحجة ما يلي:"لدى مولانا حضر ... صالح بن شعبان بن مفرج، وأحضر معه مصطفى بن حتى، وقرر أن السيد حسين بن ابراهيم النسطاري الغايب عن دمشق بمدينة نابلس أنه حضر في تاريخه، وأعلمه أن يبتاع له قلى من الشيخ مصطفى وأتباعه، وأن يرسل ذلك إلى شريكه الموكل الحاج محمد القدمجي المقيم بمدينة عكا، وبدفع له ذلك تعويضًا".
(7) من خلال فهرسة مجموعة من سجلات دمشق الشرعية، خلال فترة الدراسة، بلغ حجم وثائق البيع والشراء الواردة في السجلات 1044 وثيقة من أصل 4616، أي ما نسبته 22.8% من مجموع الوثائق.
(8) البديري، حوادث، ص 74، 82، 111.