الصفحة 15 من 23

ويرى كل من عبد الكريم رافق وأندريه ريمون بأن ثمة دورًا للاهتمامات الغربية الأوروبية إزاء نمو الاقتصاد الدمشقي، والذي ساهم في تحقيق نمو عمراني ملحوظ للضواحي الشمالية الشرقية، والجنوبية الغربية من المدينة [1] ، وهي في خط نموها مرتبطة بالطريق المؤدي إلى شمال حوران وفلسطين والحجاز [2] ، ولكن نظرة إلى خارطة دمشق التي توضح توسع المدينة خلال القرن الثامن عشر الميلادي [3] ، إلى جانب تتبُّع حركة المجتمع من خلال سجلات المحاكم الشرعية العائدة للأحياء الجنوبية والشمالية لدمشق، تُبيِّن أن ذلك التوسع لا يمكن إسناده إلى مؤثرات غربية لها علاقة بالنشاط الاقتصادي مع أوروبا عبر جبل لبنان فقط، بل إن التزايد السكاني الذي تزامن مع تلك الفترة، ومع وجود السور المحيط بدمشق، جعل من الصعب أن يكون هناك نمو عمراني داخل السور، كما أن لقافلة الحج الشامي دورًا ملحوظًا في نمو الأجزاء الجنوبية من المدينة وازدهارها.

ثانيًا: الدور الاقتصادي للحج:

شكلت قافلة الحج الشامي إبان العهد العثماني [4] ، عاملًا رئيسيًا من عوامل ازدهار المدينة ونموها من الناحية الاقتصادية، وتطور بنائها الديمغرافي، إذ إن تجمع أعداد كبيرة من الحجاج سنويًا في محيط المدينة، كان له آثار هامة، ليس فقط بما يحملونه معهم من بضائع ومنتوجات، وتحول تجمعهم إلى مجرد سوق موسمي، بل أن أهمية ذلك كانت تتعاظم مع استقرار عدد من الجماعات الإسلامية في الأحياء الخارجية للمدينة على امتداد الطريق المؤدية إلى جنوب دمشق [5] ، ويمكن التأكيد على ذلك من خلال ما يورده ابن كنان الصالحي (ت 1153 ه‍/ 1740 م) ، بشأن استقرار عدد كبير من الحجاج الأوزبكستانيين في دمشق سنة 1118 ه‍/ 1706 م [6] .

لم يكن تأثير القافلة مقصورًا على الناحية السكانية فقط، بل أن تجمع الحجاج من أقاليم شتى، كان يعد سببًا رئيسا في انتعاش أسواق وساحات أخذت تتحول، مع مرور الوقت وفي كل عام، إلى أسواق موسمية كبرى [7] ، ويشير السجل الشرعي إلى أن عدد من الحجاج كانوا يحملون معهم منتوجات مختلفة من بلادهم، حتى إذا وصلوا دمشق نهضوا ببيعها، أو عرض جزء منها في أسواق المدينة [8] .

(1) عبد الكريم رافق، قافلة الحج الشامي وأهميتها في العهد العثماني، مجلة دراسات تاريخية،

العدد 6، ذو الحجة، تشرين أول، 1980 م، ص 5 - 28.

(3) انظر الخارطة المرفقة التي توضح توسع مدينة دمشق خلال القرن الثامن عشر.

(4) عن أهمية قافلة الحج، انظر: ابن كنّان الصالحي، محمد بن عيسى (ت 1153 ه‍/ 1740 م) ، المواكب الإسلامية والممالك الشامية، تحقيق: حكمت إسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، ج 1، ص 132.

(5) ابن كنّان، الحوادث اليومية من تاريخ أحد عشر وألف ومية، ط 1، تحقيق: أكرم العلبي، دار الطباع، دمشق، 1994 م، ص 30. ريمون، المدن، ص 50. Marion. P. Midan, p. 90.

(6) ابن كنّان، الحوادث، ص 114، 115. وحول قافلة الحج وتنظيمها وموقف الدولة العثمانية منها انظر:

(7) حول خط سير القافلة وتطورها من العصر المملوكي وحتى فترة الدراسة، انظر: ابن فضل الله

العمري، (ت 749 ه‍/ 1341 م) ، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، معهد تاريخ العلوم الإسلامية، برلين، السفر الثاني، 1928 ص 36. وقارن مع: ابن كنّان، المواكب، ج 2، ص 112. ايرينا سميلنسكايا، البنى الاقتصادية والاجتماعية في المشرق العربي على مشارف العصر الحديث، ترجمة: يوسف عطا الله، دار الفارابي، بيروت، 1989 م، ص 179. وجان سوفاجيه، دمشق الشام لمحة تاريخية، ترجمة: فؤاد البستاني، بيروت، 1936، 1965 م، ص 102.

(8) سجل 37 (مخلفات) حجه 192، ص 73، 14 رجب 1132 ه‍/ 1719 م. سجل 68، (مخلفات) حجة 54، ص 62، 7 صفر 1124 ه‍/1731 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت