الصفحة 16 من 23

ويضاف إلى ذلك، ما كانت توفره القافلة لعدد من أبناء المدينة، من فرص عمل متعددة في خدمة القافلة. إذ إن هناك عددًا من أبناء المدينة ممن ينتظرون موسم القافلة لمرافقتها وتقديم بخدماتها للحجاج تحت مظلة متعهدي القافلة، ومن هؤلاء من يعمل في نقل البضائع، وتجهيز الخيول، وسقاية الحجاج [1] ، وشد البضائع [2] وطهي الطعام [3] ، وعكم الجمال [4] ، ومراقبة الخيام، وغيرها من الحرف [5] .

وقد ارتبطت هذه الطوائف مع بعضها؛ نتيجة لاعتمادها على تدرج الخدمة، وتسلسلها، كما أن مقدار الربح والاستثمار كان مرتبط بطبيعة الحجاج، ومستواهم الاقتصادي، وضمان أمن القافلة وسلامتها [6] .

ثالثًا: الفعاليات الاقتصادية:

أنشئت الأسواق في دمشق، ونمت بشكل مستمر مع التغيرات والتحولات السياسية التي عاصرتها المدينة قبل العصر العثماني [7] ، وحتى اليوم لا تزال دمشق تحتفظ بموروث وتراث غني من الأسواق. التي انتشرت في أحيائها المختلفة، وأصبحت تعبر عن النسيج العمراني وحجم النشاط التجاري، الذي ساد المدينة خلال القرن 12 ه‍/ 18 م وانتقالًا إلى القرن 13 ه‍/19 م [8] .

ويذكر هنا أن العهد العثماني شهد إقامة مجموعة من الأسواق، شيدها بعض الولاة [9] ، هذا إلى جانب عدد من الأسواق المؤقتة التي يُشير إليها السجل الشرعي، ومنها: سوق الجمعة قرب محلة اليهود [10] ، وسوق الأحد [11] .

وحتى النصف الأول من القرن 14 ه‍/19 م، يذكر نعمان القساطلي (ت 1338 ه‍/ 1919 م) بأن دمشق كانت تشهد ما يقارب مئة وخمسين سوقًا [12] ، كانت معظمها قد تركزت داخل سور المدينة، وهو ما تؤكده مشاهدات بعض الرحالة الأجانب، وتواريخ القرن الثامن عشر [13] ، ومن هذه الأسواق التي ترد في وثائق وحجج البيع والشراء المدونة في السجل الشرعي: سوق الذراع الذي تباع فيه الثياب النفيسة والكتان والحرير [14] ، وسوق الذهبيين

(1) محمد سعيد القاسمي (ت 1283 ه‍/ 1866 م) ، قاموس الصناعات الشامية، تحقيق وإضافة: ظافر القاسمي، دمشق، دار طلاس، ج 1، ص 114، 156، 185؛ ج 2، ص 319.

(2) المصدر نفسه، ج 2، ص 465.

(3) المصدر نفسه، ح 2، ص 280.

(4) المصدر نفسه، ج 2، ص 319، والعكام يستخدم بأجر معلوم ليقود الجمل الذي يسلمه إياه المقوّم ويتولى خدمة الركاب عليه.

(5) القاسمي، قاموس، ج 2، ص 474، وهناك المهاترة والطباخون، وغيرهم.

(6) حول أمن القافلة وأحوال الحج، انظر: ابن كنّان، الحوادث، ص. ص 72، 92، 172، 27، حيث يذكر أحوال الحج في مطلع كل سنة من حوادثه، وعن قافلة الحج الشامي جنوب دمشق في العهد العثماني، انظر: مأمون أصلان، قافلة الحج الشامي عبر الأردن، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة اللبنانية، (نسخة مصورة، الجامعة الأردنية) مركز إيداع الرسائل. 1997 م؛ وراجع دراسة إبراهيم الشرعة،"موقف القبائل البدوية من قافلة الحج في القرنيين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين"، مجلة دراسات، العلوم الاجتماعية والإنسانية، الجامعة الأردنية، المجلد، 29، العدد، 2002 م. ص 319 - 347.

(7) عن أسواق دمشق قبل العهد العثماني، انظر: يوسف بن عبد الهادي (ت 813 ه‍/ 1478 م) ، ونزهة الرفاق عن شرح حال الأسواق، مجلة المشرق. العدد 37، السنة 1929 م، ص 37. وانظر كذلك: فيصل بني حمد،"الأسواق الشامية في العصر المملوكي"، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، 1992.

(9) من هذه الأسواق، سوق السنانية الذي بناه والي دمشق، سنان باشا (ت 1104 ه‍/ 1605 م) ، وسوق الدرويشية الذي بناه درويش باشا (ت 1063 ه‍/ 1652 م) ، وسوق محمد باشا العظم

(ت 1185 ه‍/ 1771 م) ، انظر: عن هذه الأسواق في المحبي، محمد أمين (1111 ه‍/1699 م) ، وخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، بيروت، دار صادر، ج 2، ص 56. محمد بن جمعة المقار (ت 1156 ه‍/ 1743 م) ، والباشاة والقضاة، نشره صلاح الدين المنجد في ولاية

دمشق في العهد العثماني، دمشق، 1949 م، ص 26؛ سجل 32 حجة 352، 14 جمادى الأولى 1120 ه‍/ 1708 م، وسجل 41، حجة 223، ص 144، 25 صفر 1133 ه‍/ 1720 م.

(10) سجل 82 حجة 325، ص 172، 9 رمضان، 1149 ه‍/ 1736 م، تشير كتب الخطط إلى أن سوق الجمعة كان يعقد بجانب قلعة دمشق، في حين تبدو إشارة السجل أعلاه إلى انه كان يعقد سوق آخر في محلة اليهود، التي عرفت بحارة السمرة وتقع بين جسر تورا وجوبر، وكان يسكنها يهود سمرة. راجع اكرم العلبي، خطط دمشق، ط 1، دار الطباع، دمشق، 1989، ص 436.

(11) سجل 113، حجة 182، ص 67، 7 شوال 1139 ه‍/ 1726 م

(12) نعمان القساطلي، الروضة الغناء في دمشق الفيحاء، بيروت، 1879 م، ص 117.

(13) سجل 26، حجة 505، ص 323، 1 ربيع الأول 1112 ه‍/1700 م؛ ابن كنّان، الحوادث، ص 4. وانظر:

(14) سجل 112، حجة 313، 14 صفر 1158 ه‍/ 1745 م، ص 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت