الصفحة 22 من 23

تواجه ظاهرتين ميزتا حركة التجارة المحلية، وهما ظاهرة الديون المتراكمة على فلاحي الريف والقرى، وظاهرة احتكار السلع في أسواق المدينة، وهما جديرتان بالتعمق والدراسة.

ظهرت الشكوى من مظالم الديون في فترة مبكرة من الحكم العثماني، ويرصد عبد الكريم رافق الجدل الفقهي الذي دار بين علماء الشريعة والسلطة العثمانية التي كان يمثلها فرسان الجيش"السباهية"، الذين أرهقوا فلاحي القرى بالضرائب والأتاوات، وكان رد الفلاحين على مظالمهم، إما التحول إلى قطع الطرق ومهاجمة رجال الدولة، أو هجرة قراهم كما فعلت غالبيتهم [1] . وساندهم في خيار الهجرة صدور فتاوى من قبل العلماء تدعوهم لهجرة ضياعهم، وحسب إشارة المؤرخ المحبي فقد جمعت تلك الفتاوى التي تحث الفلاحين على الهجرة في مؤلف لياسين الفرضي بن مصطفى الحنفي وسمى ذلك المجموع:"كتاب نصرة الفلاحين عن الأوطان على الظلمة وأهل العدوان" [2] .

في فترة الدراسة يمثل موقف الشيخ عبد الغني النابلسي (ت 1143 ه‍/1731 م) استمرارا لموقف علماء القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي في رفض تعديات رجال الإقطاع وتعدياتهم على الفلاحين في القرى، إذ ألف النابلسي رسالة يدعم فيها موقف الفلاحين ضد رجال الإقطاع الذين تمادوا في تعدياتهم، وحملت الرسالة اسم:"تخيير العباد في سكنى البلاد"، أيد فيها الشيخ هجرة الفلاحين، ضمانا لسلامتهم، وأكد على أن"خروج أهل القرى، وتركهم مساكنهم وأملاكهم بسبب عبادة الله تعالى بتحريم الحرام وتحليل الحلال من فسق الظلمة وعدوانهم عليهم وطلبهم منهم ما لا يرضى به الله، فإن الذي تفعله أهل القرى من الخروج عن قراهم أمر يثابون عليه" [3] .

تبدو الصورة أكثر سلبية، من خلال ما يظهر في الوثائق الشرعية التي تعود لفترة الدراسة، وبخاصة وثائق البيع والشراء التي تنتمي لمختلف سجلات المحاكم الشرعية في مدينة دمشق ويظهر فيها، أن المشكلة الأبرز في حركة التجارة المحلية تمثلت في تراكم الديون، التي يبدو أنها تضخمت بصورة جعلت عامة دمشق تحتج على تزايدها، ولعل في إشارة ابن كنّان الصريحة حيال ذلك، ما يثير الدهشة، ليس عن الديون ورفض العامة

(1) عبد الكريم رافق،"الهوية والانتماء في بلاد الشام في العهد العثماني"، مجلة دراسات تاريخية، العددان 81 - 82، آذار- حزيران، 2003 م. ص 125.

(2) انظر عن هذه الفتاوى والكتاب المشار إليه في: المحبي، خلاصة، ج 4، ص 478 - 480. الغزي، نجم الدين محمد بن محمد (ت 1070 ه‍/1651 م) ، ولطف السمر وقطف الثمر، تحقيق: محمود الشيخ، وزارة الثقافة، دمشق، 1981 م، ج 2، ص 698 - 701. رافق، الهوية، ص 126.

(3) النابلسي، عبد الغني بن إسماعيل (ت 1143 ه‍/1730 م) ، تخيير العباد في سكنى البلاد، مخطوط رقم 9030، مجموعة الظاهرية، مكتبة الأسد، دمشق، ق 3 أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت