الصفحة 2 من 31

إن علماء العربية المتقدمين كانوا إذا ذكروا رسم المصحف ينصون على أنه يُلتزم به في كتابة المصاحف ولكن لا يُقاس عليه، أي لا يستخدم في ما سواها. فقال ابن درستويه (عبد الله بن جعفر ت 347 هـ) في كتاب الكُتَّاب:"ووجدنا كتاب الله - عز وجل - لا يُقاسُ هجاؤه، ولا يُخالف خطُّه، ولكنه يُتَلَقَّى بالقبول على ما أودع المصحف ..." [1] .

وذكر السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ت 911 هـ) في كتابه"همع الهوامع"أن ابن درستويه قال:"خطان لا يُقاس عليهما؛ خط المصحف والعروض" [2] .

وانتهى الأمر بعلماء العربية إلى القول بوجود ثلاثة نظم كتابية في العربية، على نحو ما قال أبو حيان الأندلسي (محمد بن يوسف ت 754 هـ) :"فقد صار الاصطلاح في الكتابة على ثلاثة أنحاء: اصطلاح العروض، واصطلاح كتابة المصحف، واصطلاح الكُتَّاب في غير هذين" [3] .

إن هذا التقسيم ينطبق على واقع الكتابة في الظاهر فقط، لأن رسم المصحف يمثل مرحلة في تاريخ الكتابة العربية، لا نظامًا مستقلًا، ويشارك رسم المصحف في ذلك كلُّ ما كتب بالعربية في الفترة التي يرجع إليها، وهذا ليس تقريرًا مسبقًا لنتائج البحث بقدر ما هو تحديد لوجهته وبيان لمنهجه، وسوف أسلكُ في البحث خطة تشتمل على ثلاثة مباحث، هي:

المبحث الأول: رسم المصحف: أصوله التاريخية وخصائصه الإملائية.

المبحث الثاني: النقوش العربية القديمة: تاريخها وقراءتها.

المبحث الثالث: الظواهر الإملائية المشتركة بين رسم المصحف والنقوش العربية القديمة.

(1) ... كتاب الكتاب، ص 16.

(2) ... همع الهوامع 2/ 242.

(3) ... انظر: المصدر نفسه 2/ 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت