إن مجموع كلمات النقوش العربية القديمة قد لا يزيد على كلمات صفحة من المصحف، ومن ثم فإن الظواهر الإملائية التي تُقدمها تلك النقوش تُعَدُّ شيئًا يسيرًا بالنسبة للظواهر التي نجدها في رسم المصحف، لكن تلك الظواهر الإملائية التي نجدها في النقوش العربية القديمة، على قِلَّتها، ذات دلالة كبيرة في الموضوع الذي دار عليه هذا البحث، فهي تؤكد أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - قد كتبوا القرآن في المصحف بالكتابة العربية المستخدمة وقت نزول القرآن، ويمكن لنا القول أن ما تميز به رسم المصحف من ظواهر إملائية لا يتطابق فيها المرسوم مع المنطوق كانت من مميزات الكتابة العربية قبل أن يُدون بها القرآن.
والرسم العثماني، بما فيه من تنوع الأمثلة الكتابية وكثرتها يقدم نموذجًا حقيقيًا لما كانت عليه الكتابة العربية في النصف الأول من القرن الهجري الأول، حين كان الناس في تلك الأيام لا يلاحظون فرقًا بين رسم المصحف وكتابتهم في الأغراض الأخرى. واستمر الحال على ذلك إلى أن ظهر علماء العربية في البصرة والكوفة وأسسوا للكتابة ضوابط بنوها على أقيستهم النحوية وأصولهم الصرفية. وكلما تقدم الزمن ازدادت الحاجة إلى توحيد قواعد الإملاء، ومن ثم فإن أكثر الظواهر الكتابية التي نجدها في الرسم العثماني مرسومة على قاعدتين قد مالت إلى التوحد في قاعدة واحدة، وكان علماء العربية يقودون خطى الناس في هذا الاتجاه، ويضعون القواعد التي تُيسِّره وتضبطه، حتى ظهر علم الهجاء أو الإملاء علمًا كاملًا متميزًا عن علم رسم المصحف.
وخلاصة ما يمكن قوله عن العلاقة بين رسم المصحف والإملاء الذي كَتَبَ به الناس منذ قرون كثيرة، ولا يزالون يكتبون به إلى وقتنا، هو أن الرسم العثماني كان يمثل مرحلة من مراحل الكتابة العربية، حمل خصائص تلك المرحلة، وهو يمثلها خير تمثيل، وما إملاؤنا اليوم إلا امتداد للرسم في معظم خصائصه. ويكفي أن أذكر أن حذف الألف المتوسطة من بعض الكلمات، وزيادة الألف بعد واو الجماعة في آخر الفعل. ورسم الألف ياء في آخر الكلمات اليائية الأصل وغير الثلاثية، وزيادة الواو في أولئك وأخواتها كل ذلك منحدر إلى كتابتنا من رسم المصحف.
أختم هذا البحث بالتنبيه على أمر مهم هو عناية الصحابة - رضوان الله عليهم - بكتابة القرآن في المصحف، وتدقيقهم في صور الكلمات حتى تكون دقيقة بقدر ما كانت تسمح قواعد الإملاء المستخدم في زمانهم، وكان لهم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة، فإنه كان إذا أملى شيئًا من القرآن على كاتب الوحي زيد بن ثابت، وفرغ من كتابته زيد، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: اقرأه، فيقرأه زيد، فإن كان فيه سقط أقامه وأصلحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم