الصفحة 30 من 31

ونقل الطبري في تفسيره روايتين تكشفان عن جانب من الجهد الكبير الذي بذله الصحابة في نسخ المصاحف منقولتين عن أبي سعيد هانئ البربري الدمشقي مولى أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه:

جاء في الرواية الأولى أن هانئًا قال: كنت الرسولَ بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله: (لم يتسن) أو (لم يتسنه) [1] ، فقال عثمان: اجعلوا فيها هاء.

وجاء في الرواية الثانية أن هانئًا قال: كنت عند عثمان، وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أُبيِّ بن كعب، فيها (لم يتسن) و (فأمهل الكافرين) و (لا تبديل للخلق) ، قال: فدعا أبي بالدواة فمحا إحدى اللامين وكتب (لا تبديل لخلق الله) [2] ، ومحا (فأمهل) وكتب (فمهل الكفرين) [3] ، وكتب (لم يتسنه) ألحق فيها الهاء [4] .

إن من الحقائق الكبرى التي قد تغيب عن نظر الكثيرين أن تدوين القرآن بالكتابة العربية قد نقلها من كتابة محدودة فقيرة في موضوعها إلى كتابة تشرفت بحفظ أعظم كتاب، وكانت بسبب ذلك الكتابة المعبرة عن الحضارة الإسلامية، كما استخدمتها شعوب إسلامية كثيرة في تدوين لغاتها، فحقق ذلك للكتابة العربية فرصة كبيرة تولى فيها العلماء صيانتها وضبطها وتيسيرها، منذ كتابة القرآن بها إلى وقتنا الحاضر.

(1) ... البقرة: 259.

(2) ... الروم: 30.

(3) ... الطارق: 17.

(4) ... جامع البيان 3/ 37 - 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت