الصفحة 24 من 31

المبحث الثالث

الظواهر الإملائية المشتركة بين رسم المصحف والنقوش العربية القديمة

ليس من هدفنا تتبع تطور أشكال الحروف في النقوش العربية الجاهلية والنقوش العربية الإسلامية، وليس من هدفنا الحديث عن أنواع الخطوط من ليِّنٍ ويابس، أو كوفي ونسخي، إنما هدفنا هنا تتبع الظواهر الإملائية التي فيها مخالفة المكتوب للمنطوق مما تميزت به تلك النقوش وشاركها في ذلك رسم المصحف. ومن تلك المظاهر المشتركة:

أولًا: خلو الكتابة من الشكل والنقط:

تميزت النقوش العربية القديمة (الجاهلية والإسلامية) بخلوها من علامات الحركات الثلاث: الفتحة والضمة والكسرة. ومن غيرها من العلامات الأخرى، وكذلك كانت المصاحف الأولى مجردة من ذلك كله. وكانت الكتابة العربية قد ورثت هذه الخاصية عن أصلها البعيد بواسطة الكتابة النبطية [1] . وقد قال أبو عمرو الداني:"إن العرب لم تكن أصحاب شكل ونقط" [2] .

أما علامات الحركات المستخدمة في المصاحف الآن، وفي الكتابة العربية في غير المصاحف فإنها ترجع إلى حقبة تالية لوقت نسخ المصاحف، وذلك لأن الكتابة المجردة من علامات الحركات لا تعين على القراءة الصحيحة، ومن ثم فكر العلماء في وقت مبكر من تاريخ الإسلام بسد هذا النقص في الكتابة، وكانت أول محاولة في هذا السبيل هي محاولة أبي الأسود الدؤلي (ظالم بن عمرو ت 69 هـ) ، في البصرة، فإنه ابتكر طريقة النقط المدورة الحمراء لتمثيل الحركات؛ فجعل الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة نقطة تحت الحرف، والضمة بين يدي الحرف (أي أمامه) ، وكان استخدام هذه الطريقة في المصاحف خاصة [3] .

وقد غبر الناس زمانا وهم يستخدمون طريقة أبي الأسود الدؤلي في تمثيل الحركات، لكن هذه الطريقة لا تخلو من صعوبة تتمثل بتعدد ألوان المداد، وبالتباسها بنقط الإعجام المميزة للحروف المتشابهة في الرسم، وقد جاء عالم العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري (ت 170 هـ) فجعل نقط أبي الأسود حروفًا صغيرة من لون الكتابة ذاتها، فجعل الفتحةَ ألِفًا صغرى مائلة فوق الحرف،

(1) ... ينظر: سهيلة الجبوري: أصل الخط العربي وتطوره، ص 147، ورزمزي بعلبكي: الكتابة العربية والسامية، ص 321.

(2) ... المحكم، ص 176.

(3) ... ينظر: الداني: المحكم، ص 6 - 7، وابن النديم: الفهرست، ص 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت