ولا نجد لهذه الظاهرة أثرًا في النقوش العربية الجاهلية الثلاثة، وقد لا يعني هذا عدم وجودها في ما كتب قبل الإسلام من نصوص عربية، لأن النقوش الثلاثة قصيرة قليلة الكلمات. أما النقوش العربية الإسلامية فإن في كل نقش منها أكثر من مثال على هذه الظاهرة. فنجد في نقش القاهرة كلمة (الكتب) مقسمة بين آخر السطر السادس وأول السابع، وكذلك نجد في نقش الطائف الألف قد انفردت عن كلماتها في آخر السطور الثلاثة الثالث والرابع والخامس. وكذلك نجد هذه الظاهرة في نقش حفنة الأبيض في آخر الأسطر الثاني والثالث والسادس.
رسم الهمزة من الموضوعات المتشعبة في الإملاء العربي، في رسم المصحف وفي غيره، لكن الغالب في رسمها هو كتابتها على التسهيل [1] . ولا نريد الدخول في تفصيلات هذا الموضوع، وأكتفي بالإشارة إلى أن ما ورد في النقوش العربية القديمة من أمثلة قليلة يؤيد ما نجد في رسم المصحف من الكلمات المهموزة المكتوبة على خلاف القاعدة المطردة، فما ورد في نقش حفنة الأبيض في السطر الثاني من رسم الهمزة واوا في (الله وكبر) يماثل زيادة الواو في أمثلة من الرسم في مثل (أولئك) و (سأوريكم) ونحو ذلك [2] .
وقد وردت في نقش القاهرة كلمة (قرأ) في السطر الرابع، والسياق يقتضي أن تقرأ بالبناء للمجهول (قرئ) وأن ترسم همزتها بالياء، لكنها رسمت بالألف هكذا (قرأ) . فإذا كان الفعل مبنيًا للمجهول فقد يكون رسم الهمزة فيها على مذهب من يكتب الهمزة بالألف دائمًا، وهو مذهب قديم معروف في الكتابة العربية [3] . ويؤيد كون (قرأ) مبنيًا للمجهول مجيء الفعل (كتب) بعدها مبنيًا للمجهول في السطر الخامس، والنص كما ورد في النقش هو:
4 استغفر له إذا (قُرِأَ) هذا الكتب
5 وقل آمين و (كُتِبَ) هذا ا -
وكان خليل يحيى نامي قد رأى أن تضاف تاء الفاعل المخاطب إلى (قرأ) لتصير (قَرأتَ) [4] . فكأنه يرى أن الكاتب نسي كتابة التاء، ويقتضي مذهبه هذا أن تُضاف تاء المتكلم إلى (كتب) لتصير (وكَتبتُ) . ولكني لا أستبعد أن يكون كاتب هذا النقش أراد الصيغة التي كتبها، وهي صحيحة
(1) ... الداني: المحكم، ص 151.
(2) ... ينظر: كتاب رسم المصحف، ص 302، طبعة دار عمار، الأردن.
(3) ... ينظر: الفراء: معاني القرآن 2/ 134.
(4) ... أصل الخط العربي، ص 91.