وبذلك تمت كتابة القرآن في وقت نزوله، لكنه كان مفرَّقًا في القطع التي كُتب عليها ولم يُجمع في كتاب واحد. وقد ذكر الطبري في تفسيره أن المحدِّث التابعي الكبير محمد بن شهاب الزهري (ت 125 هـ) قال:"قُبِضَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن القرآن جُمعَ في شيء، وإنما كان في الكرانيف والعُسُب" [1] .
ونقل عدد من المؤرخين والمحدثين رواية توضح مقدار عناية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتابة القرآن وحرصه على ضبط ما يكتبه كَتبةُ الوحي، فقد جاء في تلك الرواية عن زيد بن ثابت أنه قال:"كنتُ أكتبُ الوحي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يملي عليَّ، فإذا فرغتُ قال: اقرأه فأقرأهُ فإن كان فيه سقطٌ أقامه، ثم أخرجُ به إلى الناس" [2] .
وقد تم جمع القرآن في صحف منظمة يضمها لوحان أو دفتان، على شكل كتاب، بعد مدة يسيرة من وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تتجاوز السنة، فبعد أنْ وليَ الخلافة أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - حدثت حروب الردة، التي انتهت بدخول أهل الجزيرة العربية كلها في الإسلام، لكن ذلك أدى إلى استشهاد عدد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت معركة اليمامة أكثر تلك الحروب ضراوة، وكان ثمن النصر فيها مئات الشهداء، كان من بينهم نحو خمسين من حملة القرآن [3] .
إن المسلمين لما أصيبوا باليمامة فزع أبو بكر - رضي الله عنه - إلى القرآن، وخاف أن تهلك منه طائفة، وإنما كان في العسب والرقاع، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم، حتى جُمعَ على عهد أبي بكر - رضي الله عنه - [4] .
وكان زيد بن ثابت، كاتب الوحي، هو الذي تحمل العبء الأكبر لجمع القرآن، وقد نقل علماء الحديث وأهل التاريخ رواية مفصلة عن زيد بن ثابت تحكي قصة جمع القرآن، لعل في إيرادها غناء عن تكلف القول في موضوعها، وهي [5] :
(1) ... جامع البيان 1/ 28، وانظر: السيوطي: الإتقان 1/ 164. والكرانيف: أصول السعف الغلاظ العراض، الواحدة كرنافة. والعسب جمع عسيب، وهو من العسف فوق الكرب لم ينبت عليه الخوص. (انظر: ابن منظور: لسان العرب 11/ 207 كرنف، و 2/ 89) .
(2) ... البسوي: المعرفة والتاريخ 1/ 377، والصولي: أدب الكتاب، ص 165، والسمعاني: أدب الإملاء والاستملاء، ص 77.
(3) ... ينظر: خليفة بن خياط: تاريخ خليفة 1/ 90.
(4) ... أبو شامة: المرشد الوجيز، ص 64.
(5) ... انظر: البخاري: الجامع الصحيح 6/ 89 و 6/ 225 و 9/ 92، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 6 - 8، وابن النديم: الفهرست، ص 27، والداني: المقنع، ص 3، وأبو شامة: المرشد الوجيز، ص 48، والزركشي: البرهان 1/ 233، والسيوطي: الإتقان 1/ 165.