الضيق .. إنه بناء دولة ورجال .. نشر وانتشار .. إنه دفاع ومدافعة .. إنه ثبات ودعوة .. إنه محضن جديد تتألق فيه النفوس وتُغْذَى فيه الأرواح.
«حان موعد الحج .. فتداعى الحجيج وسالوا من كل فج عميق نحو البيت العتيق .. لكن الكعبة لم تكن تنتظر إلا وفدًا قادمًا من حرة يثرب .. لا يحملون أصنامًا .. ولا يعلقون تمائم .. إنه وفد يحمل التوحيد معه يغسل به الكعبة مما علق بها من أرجاس الشرك» [1] . لم يكن الحجاج بجمعهم يعلمون أن قريشًا تعيش آخر أيام صلفها وجبروتها وغرورها.
«كان وفد يثرب خمسة وسبعون يقيمون في خيامهم مع من جاء من يثرب على شركه .. وخلال أيام التشريق وبعد الفراغ من الحج اتصلوا في سرية تامة محكمة برسول الله وواعدوه على اللقاء عند العقبة ذاتها تلك التي شهدت من قبل لقاءين مباركين» [2] ، وقد أمرهم ألا ينبهوا نائمًا ولا ينتظروا غائبًا؛ فالذي ينام عن مثل هذا الأمر حري به أن يتأخر فإن هذا الأمر الجلل لا يقوم به إلا أهل اليقظة .. أهل اليقظة في شعورهم ومشاعرهم .. أما أهل النوم والغفلة والغيبة .. فلا بأس أن يسلموا لكن
(1) «السيرة النبوية» للصوياني.
(2) «إسلاميات» لخالد محمد خالد. بتصرف.