ها هو - عليه السلام - يُؤذى أشد ما يكون الأذى .. يُؤذى في أخلاقه فيوصف بالكذب، وفي عقله فيوصف بالجنون، وفي عقيدته فيوصف بالسحر والكهانة. ها هم يضعون على ظهره سلا الجزور .. وفي طريقه الأشواك .. وكل هذا والحبيب محمد - عليه السلام - يسير في دعوته ثابت الخطو .. ينظر إلى أمامه ولا يلتفت لمعوق خلفه يكذبه ويخذل الناس عنه وينفتح باب دار الأرقم ليستقبل من آمن خفية .. يتربون على القرآن وينهلون من آداب النبوة .. وظلوا هكذا تربية ومنهجًا .. حتى لمحت قريش ما سيكون لهذه الدار من أثر وبناء .. «فتقيح كبرياؤها ولهثت وراء النور تتحداه في سعار وشراسة» [1] ، ويصمد النبي الكريم - عليه السلام - وأصحابه أمام هذا السعار والشراسة ولا يزيدهم ذلك إلا ثباتًا وهكذا الذهب يزداد مع الطرق لمعانًا.
ولمَّا رأت قريش النور يتقدم ويسير في خطوات واثقة جاءت إلى أبي طالب تفاوضه وتقايضه بين أن يعطيها ابن أخيه محمدًا - عليه السلام - ويختار من فتيان قريش البُسل المغاوير من شاء، ويدرك أبو طالب ما أصابهم من جنون فيجيبهم في سخرية: «أتعطوني ولدكم أربيه وأغذوه لكم وأسلمكم ولدي لتقتلوه .. » ويقف العم والزوجة مع النبي
(1) «إسلاميات» لخالد محمد خالد.