غبرًا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله تعالى، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله عز وجل، مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين.
قال هرم بن حيان: وددت والله أني شجرة أكلتني ناقة، ثم قذفتني بعرًا، ولم أكابد الحساب يوم القيامة، إني أخاف الداهية الكبرى.
وكان علي بن الحسين إذا توضأ اصفَّر وتغبر، فيقال: ما لك؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟
وكان محمد بن واسع يبكي عامة الليل لا يكاد يفتر.
وكان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته. وبكى ليلة فبكى أهل الدار، فلما تجلت عنهم العبرة قالت فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال: ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعالى، فريق في الجنة، وفريق في السعير. ثم صرخ وغشي عليه.
ولما أراد المنصور بيت المقدس، نزل براهب كان ينزل به عمر بن عبد العزيز فقال له: أخبرني بأعجب ما رأيت من عمر. فقال: بات ليلة على سطح غرفتي هذه وهو من رخام، فإذا أنا بماء يقطر من الميزاب، فصعدت