فتجد الواحدة من هؤلاء تتبرج في ملابسها وفي مشيتها وفي كلامها وفي نظراتها لتستمع إلى كلمات الغزل والمداعبة والمعاكسة، ثم إنها - بعد ذلك - تنتظر أي ذئب خبيث يلقي إليها برقم هاتفه لتبدأ معه رحلة الآلام والأحزان التي تبدأ بنظرة خائنة، وتنتهي بمحنة قاتلة، فإذا ما حصلت الفاجعة، ووقعت الكارثة، عضَّت أنامل الندم، وذرفت دموع الحسرة، ولكن الندم حينئذ لا يفيد، والحسرة يومذاك لا تنفع، فقد ضاع الشرف، وترحَّل العفاف، وذهبت الكرامة بلا رجعة لذَّة لم تدم إلا دقائق بل لحظات، فقدت على إثرها تلك الفتاة أعزَّ ما تملك؛ فقدت دينها وخُلُقها وعفافها، وأصبحت عارًا على نفسها وأهلها ومجتمعها، فإذا ما كتب لها العيش عاشت ذليلة حقيرة، لا حقوق لها، ولا قيمة لحياتها.
وإذا قُدِّر عليها الموت لم يترحَّم عليها أحد، وذهبت تُلاحقها اللعنات والشتائم حتى في قبرها.
ويا ليت الأمر ينتهي عند ذلك، بل إن الموت هو بداية الرِّحلة وليس نهايتها، فالقبر إمَّا روضة من رياض الجنة للطائعين المخبتين، وإمَّا حفرة من حفر النار للعصاة المذنبين، ثم يكون بعد ذلك الحساب على كل صغيرة وكبيرة: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ