ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب الأدب: (باب النهي عن البغي) ، وذكر فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا؟ أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده! لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته} ، وهو حديث حسن.] اهـ.
الفرق بين إطلاق الكفر على الفعل وإطلاقه على المعين
الشرح:
لقد أطال المصنف رحمه الله في هذا الموضوع، وكلامه واضح -والحمد لله- وسوف نستعرض كلامه ثم نعضده بكلام بعض العلماء الآخرين، مثل شيخ الإسلام وابن القيم، وبعض علماء الدعوة، كالشيخ سليمان بن سحمان رحمهم الله وأمثالهم، ولكن لوضوحه ولتفصيله نستعرضه أولًا لنفهم مراده منه.
فقوله رحمه الله:"وأما الشخص المعين"، (أما) للتفصيل، وهذا دليل على أنه قد ذكر قبلها شيئًا آخر، وهو ما يتعلق بالفرقة، أي: (من قال كذا) أو (من اعتقد كذا) ، على سبيل الإجمال، ولا يقصد بذلك إنسانًا معينًا بذاته، كما قال المصنف سابقًا:"قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة، ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها"، ومثله ما ذكره أيضًا عن أبي حنيفة رحمه الله كغيره من علماء السلف أن: (من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر) ، وكما يقال أيضًا: من أنكر أسماء الله وصفاته، أو أنكر الرؤية فهو كافر، وهكذا ...