فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 359

فقال: {خلني وربي! أبعثت علي رقيبًا؟} ، وقد يُفهم من الحديث: أنه إذا قال لك أخذ هذه العبارة فمعنى ذلك ألا تدعوه ولا تكلمه، وليس هذا هو المقصود، فليس كل عبارة يقولها الإنسان -وإن كانت حقًا أو شبيهة بالحق- تجعلك تترك دعوته أو نصحه، والمشكلة في هذا الرجل ليست في أمره ونهيه، وإنما في بغيه وظلمه عندما قال: {والله لا يغفر الله لك} ، لكنه لو لم يقل ذلك حتى وإن قال له المدعو أو صاحب المنكر: {أبعثت علي رقيبًا؟!} وقال: لم أبعث عليك رقيبًا، وإنما أمرت أن آمرك وأنهاك، لكان هذا هو الرد الذي ينبغي أن يقوله.

فقال: {خلني وربي! أبعثت علي رقيبًا؟!} ، وهذا دليل على أن الرجل فيه شيء من الخير، لكنه أظهر تضجره وتبرمه من صديقه الذي يدعوه دائمًا، فيقول: كأنك واقف فوق رأسي مترصد لجميع أخطائي! {خلني وربي، أبعثت علي رقيبًا؟!} ، فهو مذنب، لكنه لم يقل ما يقوله المجاهرون والفساق في هذا الزمان: أنا على صواب، وهذا ذنب فيه اختلاف، وبعض العلماء يقول: لا بأس به! لا. بل فيه نزعة خير {خلني وربي} ، أي: أنا إن أذنبت ففي حق الله، وأنت لم تبعث علي رقيبًا.

إذًا: هو متضجر ومتذمر من هذا الإنكار.

ونستنتج من هذا: أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عليه ألا يتسرع فيظلم كما ظلم هذا الرجل، وأيضًا لا يدفع المدعو إلى الملل والضجر؛ لأنه إذا دفع المدعو أو المنكَر عليه إلى أن يمل ويتضجر منه؛ فإنه لن يقبل الحق الذي يدعوه إليه، وهذا أمر مشاهد، فإن بعض الناس يدعوه البعض أيامًا وسنين ولا يقبل، ثم يأتيه آخر فيهتدي بإذن الله ويقبل منه الخير؛ لأن هذا الأسلوب كان ألطف وأرق وألين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت