فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 359

وأيضًا فإن المتابعة الشديدة والمحاسبة والمراقبة ليست وسيلة نافعة من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يشترط التوبيخ الدائم وراء كل ذنب، والتأنيب المستمر عقب كل خطيئة، فلابد أن يكون الداعية حكيمًا، فإنه لم يبعث رقيبًا، لكن يجب عليه أن ينكر المنكر، وقد وقع الدعاة في هذا الأمر فإن من الدعاة من ترك الدعوة بالكلية فلا يأمر ولا ينهي ولا يدعو، ومنهم من عنده هذه الرقابة التي تجعله دائمًا وراء كل عمل ووراء كل خطأ يحاسب عليه.

{فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة} ، لما رأى ملله وتضجره منه، رد عليه بهذا الرد والعياذ بالله! فأتاه الشيطان في هذه الحالة النفسية، فقال كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: {قال كلمة أوبقت دنياه وآخرته} .

فقد شعر بأن هذا المدعو ميئوس منه، فتجاوز الأمر والنهي والموعظة والتذكير وأبى إلا أن يتدخل في أمر هو من اختصاص الله سبحانه وتعالى، فتألى على الله، وقال على الله بغير علم ولا حجة ولا برهان: {والله لا يغفر الله لك} وما أدراك يا مسكين؟! كيف تقول هذا؟! كيف تقسم وتجزم بذلك؟ أعندك من الله موثق أو عهد حتى تقول هذا الكلام؟!

لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في قنوته على قبائل وأحياء من العرب آذته، وحقًا كان صلى الله عليه وسلم على صواب ويقين من أذية من آذاه ومما فعلوا به وبأصحابه، وكانوا كفارًا حقًا، ومع ذلك يقول الله تبارك وتعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:128] ، سبحان الله! ليس لك من الأمر شيء، فإن أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى، فقد يتوبون أو يعذبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت