فيؤخذ من ذلك: أن الداعية عليه ألاَّ يتجاوز أمر الله سبحانه وتعالى في دعوته، بل يقتصر على الدعوة كما أمر الله سبحانه وتعالى، ثم تجتمع الخصوم عند الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث: {حتى إنه يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء} ، ولما مر النبي صلى الله عليه وسلم بعنزتين تنتطحان قال: {والله إن الله ليعلم فيم تنتطحان وسيقضي بينهما} ، فلا يوجد خصمان إلاَّ والله تبارك وتعالى يعلم فيما اختصما وسيقضي بينهما يوم القيامة، حتى الدواب، فإن كانت الشاة القرناء طغت وبغت على الجلحاء التي لا قرون لها، فيوم القيامة يكون القصاص، وهذه سنة لا يدركها الظالمون والمتجبرون الذين أعطاهم الله سبحانه وتعالى قوة أو سلطة فيظلمون الضعفاء، وهناك عند الله سبحانه وتعالى تجتمع الخصوم.
فجاء الرجلان المتخاصمان فوقفا بين يدي رب العالمين، والمطالب هنا هو الموعود بأن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولا يدخله الجنة، ولكن الذي تولى الخصومة هو رب العالمين؛ لأن الموضوع يتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى؛ لأن الرجل تألى على الله سبحانه وتعالى ولم يقتصر على ما أمره الله به.
فالخصم هنا هو رب العالمين، وإن كان المظلوم هو الذي تعرض لتلك التهمة وذلك التخويف بغير حق، وذلك أنه ربما يكون قد صدقه، فإن بعض المدعوين إذا جاء شخص وأيسه وقنطه صدقه؛ لأنه يظن أنه على علم وعلى خير، فإذا قال: هذه ردة، وهذا كفر، ولن يغفر لك، صدقه، وهنا فائدة دعوية: وهي أن المذنب إذا قيل له أنه غير مغفور له أو لا توبة له، فلن يتوب بل سيستمر ويتعمد المعصية، كما في قصة قاتل المائة، لما أفتاه العابد الجاهل بأنه لا توبة له؛ أكمل به المائة، فاعتقد أن من قتل تسعة وتسعين أو مائة أو ألفًا سواء من جهة أنه لا توبة له، فليكثر من القتل إذًا، عياذًا بالله!