ثم ذكر أن هذا أيضًا شرٌ من شرك العرب؛ لأن العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كان لديهم التزام ببعض الشيء، فلم يقل بالتحلل بالكلية من الأمر والنهي إلا هؤلاء وشيوخ الصوفية الذين يقولون: يسقط عنا التكليف إذا بلغنا درجة اليقين، فإن الله يقول: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] فعندهم: إذا بلغ العبد منزلة في العبادة سقطت عنه التكاليف!
يقول:"فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمرٍ ونهي، بحيث لا يجب عليها شيء، ولا يحرم عليها شيء، فهؤلاء أكفر أهل الأرض، وهم من جنس فرعون وذويه، وهم مع هذا لابد أن يلتزموا بشيء يعيشون به".
فحتى لو قالوا: لا نلتزم أمرًا ولا نهيًا، فإن هذا محال؛ لأنه لابد أن يلتزموا بشيء يعيشون به. قال:"إذ لا يمكن للنوع الإنساني أن يعيش إلا بنوع أمرٍ ونهي"بل حتى في بلاد الغرب التي يسمونها بلاد الحرية الشخصية والديمقراطية ... إلخ، لا يمكن أن يعيشوا من غير التزام أمرٍ ونهي، فالذي يقول: أنا لا أعبد شيئًا ولا ألتزم بأمر ولا بدين، فإن هذا محال، وإذا لم يكن عابدًا لله فلابد أن يكون عابدًا حتى للشيطان أو الطواغيت عمومًا.
قال:"فيخرجون عن طاعة الرحمن وعبادته إلى طاعة الشيطان وعبادته"، ولهذا فالأوراد والأذكار والرياضات البدعية؛ كلها من عبادتهم للشيطان.
يقول:"ففرعون هو الذي قال لموسى: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23] "على سبيل الإنكار،"ثم كانت له آلهة يعبدها كما قال له قومه: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف:127] ، أو (وإلهتك) كما في قراءة أخرى، فيصير المعنى على هذه القراءة: لا يعبدك، وليس فيها شاهد على ما نحن بصدده، لكن على القراءة المشهورة (وآلهتك) أي: لا يعبد ما تعبد يا فرعون، وهنا الشاهد على ما قاله شيخ الإسلام."