وهذا من حكمة الله تعالى ومن الدلالة على تلازم الظاهر والباطن، ويستثنى من ذلك ما كان مجرد شيء عابر، فإنه لا ينبني عليه حكم على الباطن سواء كان كفرًا أو إيمانًا، فالإيمان العابر كإنسان يحب بعض الطيبين بشكل عارض وتجده في الأصل لا يهتم بالمؤمنين ولا بالإيمان؛ لأنه ليس حبًا حقيقيًا، إنما هو عبارة عن عاطفة طرأت على قلبه، وكذلك إذا كان الإنسان مؤمنًا ثم طرأ عليه نوع من الزيغ أو الشبهات فإنه يظهر لك أن إيمانه ثابت وباقٍ، لكن المنافق الذي يظهر الإسلام، ويحلف بالله كما حلف المنافقون للرسول صلى الله عليه وسلم، فمعلوم أن هذه الأيمان وراءها ما وراءها -نسأل الله العفو والعافية- فإن كفرهم قد ظهر في لحن القول وفلتات الألسن وسقطاتها.
من هو الزنديق؟
يقول المصنف رحمه الله: [والزنديق هو المنافق] كلمة (الزنديق) لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة، ولهذا كانوا إذا أرادوا أن يحكموا على أحد ممن لا يستطيعون أن يشهدوا له بالإيمان، ولم يكن في ظاهره من الكفار، بل كان من المقرين بالإسلام المظهرين له، فإنهم يقولون عنه: إنه منافق، ويعرفون المنافق بعلاماته المعروفة التي تكون قرائن واضحة دالة على باطنه المناقض لظاهره، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في صلاة الجماعة: [ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق] وكما قال كعب في حديث الثلاثة الذين تاب الله عليهم بعد توبتهم من تخلفهم أنه رأى الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إما منافق مغموس عليه في النفاق أو ممن عذر الله} ، فكان المنافقون يعرفون بقرائن تدل على بواطنهم.