فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 359

إن الزندقة أكثر ما انتشرت في العراق؛ لأنها الأقرب إلى بلاد المجوس، فظهرت الزندقة في البصرة، والكوفة أما في مصر فكان ظهورها نادرًا، وأما في المدينة وسائر أرض الحجاز فلم يكن هناك وجود للزنادقة والحمد لله؛ لأن الدسائس والمؤامرات كانت من أجل النفاذ إلى مرافق الدولة، لتقويض دولة الخلافة العباسية ولإبراز المجوسية مرة أخرى، فظهر هذا المبدأ، وكان الخليفة المهدي أشهر من عرف بقتل الزنادقة، فحين تقرأ في أي كتاب من كتب التاريخ فإنك تجد أن أعظم أعمال المهدي قتله للزنادقة، فكان يتتبعهم ويتصيدهم تصيدًا، ويسلط عليهم العلماء والثقات من الناس يتتبعون كلامهم وآراءهم، فمن وجدوه قبضوا عليه، ومن وجدوا عنده شيئًا من كتب الإلحاد وأثبت عليه هذا الإلحاد فإنه يقتل فورًا، فقتل منهم المهدي جمعًا كبيرًا، ومع ذلك بقيت الزندقة، وكان ممن اشتهر بالزندقة وقتل عليها كثير من الكتاب والشعراء والوزراء، ومنهم البرامكة الذين كانوا وزراء لهارون الرشيد وكانوا أشهر وزراء الدولة العباسية، إلا أنهم لم يتبعوا منهج أبي مسلم في الدعوة إلى هذه العقيدة، بل سلكوا طريقًا آخر حتى تمكنوا في الدولة، وحين تبين للرشيد رحمه الله أنهم زنادقة، قتلهم وأقام فيهم حكم الله تعالى، وقد ظهر له ذلك بأدلة كثيرة، كما نبهه بعض العلماء الربانيين إلى أنهم مجوس يعبدون النار، كما قال فيهم الأصمعي رحمه الله:

إذا ذكر الشرك في مجلسٍ أضاءت وجوه بني برمك

وإذا تليت عندهم آية أتوا بالأحاديث عن مزدك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت