فمسألة نصوص الوعد ونصوص الوعيد والتعارض بينهما هي من مواضع الشبهات؛ لأنه ليس كل أحد يفقه الأدلة؛ فلو كان كل من قرأ الآيات أو الأحاديث وكلام العلماء يفقهه على وجهه الصحيح لما وجد الخلاف، وهذا بعيد؛ بل يوجد من يقرأ الآية، فيفهمها على غير وجهها، أو يقرؤها فيضادها، ويعاند ما دلت عليه، وهذا وارد حتى في العمليات؛ فالتيمم -مثلًا- كيفيته معروفة، وكل واحد من الصحابة فهم هذه الكيفية؛ فعمار رضي الله عنه قال: فتمرغت كما تتمرغ الدابة، وكأنه ظن أن التراب ما دام ينوب عن الغسل، والغسل يكون للجسم كله، فعليه أن يتمرغ بكامل جسمه في التراب؛ فهذا اجتهاده.
يقول المصنف: [وهؤلاء يدخل عليهم في هذا الإثبات العام أمور عظيمة] ، المقصود بالإثبات العام هو أن يكفر كل مبتدع أو يكفر كل من قال بكذا.
فأراد المصنف رحمه الله أن يرد عليهم، وذكر الدليل الأول، فقال: [فإن النصوص المتواترة قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان] أي: لازم قولهم أن من فعل هذا، فقد كفر وأنه لن يدخل الجنة، وأنه ليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ فهل يستطيع أحد أن يثبت ذلك في حق كل مبتدع، وفي حق كل قائل دون تفريق بين من يقول بالبدعة متأولًا مجتهدًا مخطئًا وبين من يقول بها ردًا وجحودًا وعنادًا؟!
فما دام ذلك غير ممكن، فإنه يجب علينا أن نفرق بين هذا القائل وبين ذاك، وإن كان القول واحدًا، وإلا لزم من ذلك أن نحكم على كل من وقع في أي بدعة بأنه ليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فيرد على هذا القول أن أناسًا يفعلون هذه الأفعال، ونحن لا نستطيع أن ننفي الإيمان من قلوبهم، ولا سيما من كان صادقًا ومخلصًا، وأراد الحق ولم يوفق إليه.