قال ابن العربي: انْتَهَى الْعِيُّ بِقَوْمٍ إلَى أَنْ قَالُوا: إنَّ الْقَارِئَ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حِينَئِذٍ يَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .... (1)
وَمِنْ أَغْرَبِ مَا وَجَدْنَاهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} الْآيَةَ قَالَ: ذَلِكَ بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِمَنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ , وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ , وَلَا يُعَضِّدُهُ نَظَرٌ وَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ لَكَانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ دَعْوَى عَرِيضَةً لَا تُشْبِهُ أُصُولَ مَالِكٍ , وَلَا فَهْمَهُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِسِرِّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ (2) .
قَالَ الجصاص: قَوْلُهُ: {فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ} يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنْ تَكُونَ الِاسْتِعَاذَةُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ , كَقَوْلِهِ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا} اهـ (3) .
لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْفَاءَ ... لِلْحَالِ كَمَا يُقَالُ:
إذَا دَخَلْتَ عَلَى السُّلْطَانِ فَتَأَهَّبْ. أَيْ: إذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فَتَأَهَّبْ (4) .
وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِطْلَاقِ مِثْلِهِ، وَالْمُرَادُ إذَا أَرَدْت ذَلِكَ
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} .
(1) أحكام القرآن لابن عربي / 3/ 158 - مالكي).
(2) أحكام القرآن لابن عربي / 3/ 158 - مالكي).
(3) أحكام القرآن للجصاص / 3/ 282 - حنفي).
(4) المبسوط للسرخسي / 1/ 14 - حنفي).