وعدم تخلُّف شَيْءٍ عن الذكر وَالتعيين، لأنّ الإحصاء والحساب يستلزم ألاّ يفوت شيء من المحسوباتِ.
إِمَامٍ مُبِينٍ: في اللوح المحفوظ، أو في صحائف العباد.
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا: مثّل لهم مثلًا يشبه حالهم وصفتهم، أي س شبّه حالهم في تكذيبهم بك بشبيه من السابقين. والمثل: الصفة والحال الغريبة التي تشبه المثل في الغرابة.
أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ: هي مدينة أبهم القرآن الكريم اسمها، كما أبهم اسم المرسلين إليها، ولم يرد في صحيح السنّة أو الآثار ما يعيّن شيئًا من ذلك، وقد دأب كثير من المفسّرين على أنّها مدينة أنطاكية، جنوبيّ تركيا، وشماليّ بلاد الشام، وليس ما يدعونا إلى تفسيرها بذلك.
إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ: هما اثنان من الرسل، وقيل: هم رسل من الحواريّين من أصحاب عيسى عليه السلام، وليس ما يدعونا إلى القول بذلك [1] .
(1) ـ من هم أصحاب القرية.؟ ذكر كثير من المفسّرين أنّ هذه القرية هي أنطاكية في شماليّ بلاد الشام، وأنّ الرسولين هما من الحواريّين الذين أرسلهم عيسى عليه الصلاة والسلام .. وقد تأثّروا في ذلك بالروايات النصرانيّة التي تذكر أنّ مرقص صاحب الإنجيل اسمه يوحنا، وأنّه لازم خاله برنابا وبولس في رحلتهما إلى أنطاكية، وتبشيرهما بالمسيحيّة فيها، وقد ردّ ذلك ابن كثير في تفسيره، فقال:"وفي ذلك نظر من وجوه:"
ـ أوّلها: أنّ ظاهر القصّة يدلّ على أنّ هؤلاء كانوا رسل الله عزّ وجلّ، لا من جهة المسيح عليه السلام.
ـ ثانيًا: أنّ أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانت أوّل مدينة آمنت بالمسيح، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربع، اللاتي فيهنّ بطاركة.
ـ ثالثًا: أنّ قصّة أنطاكية مع الحواريّين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر غير واحد من السلف أنّ الله تبارك وتعالى بعد إنزال التوراة لم يهلك أمّة من الأمم عن آخرهم، بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، فعلى هذا يتبيّن أنّ هذه القرية المذكورة في القرآن غير أنطاكية، فإنّ هذه لم يعرف أنّها أهلكت لا في الملّة النصرانيّة، ولا قبل ذلك"، أقول: لقَد وقع في حمل هذه القصَّة على ما جاء في كتب أهل الْكتاب أجلّة منَ المفسّرين، وكأَنّ الأمر مقطوع به كذلك، أو فيه نَصّ أَو دليل، وكان يسعُهم تحقيق الإمام ابن كثير رحمه الله، ويبدو أنّ مَنْ أسلم مِن علماء أهل الكتاب قرءوا في كتبهم أَنّ أنطاكية ذهب إليها ثلاثة من تَلاميذ المسيح عَليه السلام، فظنّوا أنّ القصّة يراد بها هذه الحادثة، وتابعهم عَلى ذلك كثير منَ الناس، وهذا من ضعف التحقيق، فلا يكفي أن يكُون شَبه بيْن شَيءٍ وشيء حتّى نحكم أنّ هذا الشيء هو ذاك، ويَبدو كذلك أنّ اسم مُؤمن:"يس"هو من هذا القبيل أيضًَا."
فاللهُ عزّ وجلّ أعلم أين وقعت هذه القصّة، فإنّ رسل الله تعالى كثيرون، ولم تخل أمّة من رسول أو نذير، وفي الأرْض بلاد كثيرة عذّبت لم يشر القرآن إليها بأعيانها، ولكنّ آثار عذابها لا تزالُ باقية شاهدة، والقاعدة العامّة: هيَ أنّ كلّ مديْنة عذّبت لم تعذَّب إلاّ بعد أن قامت عليها الحُجّة، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا، وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) } القصص، وقال سبحانه: { .. وَمَا كُنَّا معذّبينَ حتّى نبعثَ رسُولًا (15) } الإسراء. انظر تفسير ابن كثير 3/ 498/ وتفسير الشيخ عبد الحميد طهماز لسورة يس ص/14/ والأساس في التفسير للشيخ سعيد حوّى 8/ 4632/.