الصفحة 18 من 88

هو أنهم بقية جراثيم الاستعمار، وورثة خراب الدار، واعتادوا المسكنة ومد اليد للسؤال، وهم لا يعرفون الحق في هذا المجال، فمثلهم كمثل أرض غور فقد فيها الماء، أو كصاعقة أخذتهم من السماء، فأهلكهم كقوم لوط، وهم جهلة في علم الخطوط، هذه نصيحتي لك، والآذان لك صاغية، والأمر إليك فانظر ماذا تأمر، وإنهم بكلامك لمتبعون وإنك من شهداء القبيلة فلا تكتم الشهادة، فإذا كتمتها فإنك والله ما دخلت من باب السعادة، وإن قبيلتنا لها ذئاب فلا تدخل في شؤونها، لئلا تساق إلى شجونها، واعلم _وأنت تعلم _أني لما كنت في العراق كان شغلي الدراسة وطلب العلم، وكنتُ من الذين وفقوا بسرعة الحفظ والفهم، وأحمد الله في ذلك وهو أحسن المفهمين.

وكنتُ تحت أيد شيوخ أصحاب الفضل والوجاهة، ورجال العلم والنباهة، وكان بعضهم في زوايا العراق، بقايا شجرة أقلعت وهم كالأوراق، أعني شجرة النبوة والرسالة.

وكان بعضهم من مشاهير الشيوخ في التزام بأوامر الله وعمل الصالحات، ولف الرأس بالعمائم في كل الأوقات، حتى تعلمت منهم كيفية لف الرأس بالعمامة، وكنتُ في المذهب كالعلامة، ثم بعد نيل درجة الاجتهاد، وتراخي الأمد في تلك البلاد، دخل في قلبي حب الوطن، فقصدتُه وقد تسلحتُ بالعلم من أجل النقد والطعن، فهدمت بناء الغيبة، وقوضت خيمة الغربة، وركبت على جواد الأوبة، وأنا على جناح العودة إلى البلاد، بنية طرد الفساد، لعلي أغلب على العلماء، وأقودهم إلى الضياء.

وقد اتفق وأنا في الطريق، أن الله ألبسني خلعة التوفيق، ونقلني من النوم والسِنة، إلى مناظرة علماء السُنة، وصرت بعلمائهم من المناقشين، وكانوا في هذا الجدال، صرحين بالمقال، فصبوا عليّ ماء الدليل، واخمدوا نار التأويل، للذين هم يبصرون ولما أتوني بدليلهم، وبينوا لي ما في سبيلهم، سقطت من اليقين إلى الدهشة، ومن المؤانسة إلى الوحشة، فإذا أنا من المتحيرين وبقيت بين بلادي والعراق، وأخذني ما تأخذ الدهشة الأعناق.

فعزمت أن أفتح باب البحث والتحقيق، وأراجع كل العقائد بالتدقيق، لأنجو من الحيرة المبرّحة، والدهشة المطوّحة، فاستحسنتُ لنفسي مراجعة المراجع، والإطلاع إلى ما في أصل المصادر، فسكن بذلك فؤادي، ونجوت من عذاب يوم التنادي، فرددت عليهم شهادتهم (درجة الاجتهاد) التي منحت من تلك البلاد، وأنقذني الله من الوقوع في البدع، وفرحت فرحة من نجا من افتراش السبع.

وكيف يُنتظر من مذهب أهل البيت أن ينتشل الأمة الإسلامية من وهدتها، ويقودها بعد فرقتها إلى وحدتها، وهو مذهب لا يعمل من تعاليم أئمتهم بأقل القليل، وعرفوا بهذا منذ أمد طويل، إن قول الإمام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت