الفن، أن نعترف ونقرّ، ونقول ونحن عليه نصرّ، أن الكليني ما كتب هذه الروايات، ولم ينقل تلك المقالات، إلا بعد جري التحقيق، وتابع الأمور بالتدقيق، وإلا كيف من الممكن أن يروي الكليني هذه الروايات بالتواتر، من واحد وهو يعلم فسوقه، وكأنه لا يبالي بالإسلام ولا بحقوقه، ويجعل نفسه مرجع الشك والارتياب، وموضع الدهشة والاستغراب, فلا شك أنه بنى على أمر الرواية بالتحقيق، ومال إليها بالتصديق، فتفكر بالعقل، ولو ستبيت بدون الأكل، وكيف تجترئون يا رجال الشيعة، أن تعتبروا الكليني من أهل الفسق والعصيان، وتخرجونه من ساحة أهل التقوى والإحسان، فالقول الذي يميل أهل العرفان إلى قبوله، والدليل الذي يذهب الشك بعد حصوله، هو أن الكليني لم يجد في سلسلة رواته من هو قلبه فارغ من الإيمان، أو أنه لا يؤمن باختفاء المهدي إمام الزمان، فرأى أمانة الرواة بالعينين، فأخذ العيان مقام العادلين، وهب أن الكليني رأى سلسلة الرواة، من ليس من أهل الدين والصلاة، ثم كتبه من غير التحقيق، فهذا يجعله كالزنديق، فيثبت بحكم الواقع أنه لا يكون من أهل الثقة والأمانة، وتفقد منه هذه المكانة، لأنه كان يروي الروايات، من رجال الكذب ورواة الموضوعات، فماذا تظن بالكليني، أتراه كاذبا وخارجا من الديانة، وفقد منه الثقة والأمانة؟
اعلم أن هذه العقيدة من عقائد الشيعة، وما كان لأحد أن يتكلم بكلام هومن شان الأئمة،
وقلتم بأن الشيخ محمد رضا المظفر قال بأن القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن المنزل على رسول الله ...
اعلم أن المظفر ليس بمعصوم ولا يؤمَن منه العثار، وإن غيره معطل كالعشار، سيما في مسألة تحريف القرآن، فهو في هذا الموضوع خفيف في الميزان، وربما سمع هذا الكلام من شيخه أو الأستاذ، فيظنه جيد وممتاز، وهو يظن أنه في المذهب عليم، بينما يسوق المذهب إلى شفا حفرة من العذاب الأليم، ألا إن الدليل على صدق رواية الكليني، أنه من عادة علماء الشيعة، أنهم إذا وصل إليهم خبر تسلل إلى الإمام، يؤمنون به، وينسبون القول المنطوق إلى إمامهم ولا يبالون، ولا يبحثون في كلامهم من أجل الشك ولا يرتابون، ولا يضرهم فيه كثرة التناقضات ولا يستغربون، ويقولون في ذلك إنه قول صدر من المعصوم، وما صدر منهم مقبول ومعلوم، وأنّى لك أن تنكر هذه العقيدة بعد ما تمّ نشرها، وكشف قشرها، أتخفي عني هذا الأمر وقد أشيع في البلاد، وحفظه الأولاد وإنا لو خاصمنا أحدا في سلامة القرآن، نستطيع أن نخصمه بالبرهان، وهو جمع القرآن من قبل الصحابة، ولنا في ذلك أدلة عند هبوب ريح التساؤل والريب، عن سلامة القرآن من العيب، وهو سؤال ولا بد أن يمر على ذهن كل مدبر، ويخطر ببال كل مفكر، عن البحث عن القرآن ومن جمعه؟ وكيف جمع؟