لفي ضلال مبين. فهل يصح لأحد أن يدعي أن الأمية هنا، معناها الجهل بالكتابة والقراءة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم، قد بعث ليعلم الناس القراءة والكتابة، لأنه عز وجل قال إنهم أميون، وأنه صلى الله عليه وسلم جاء يعلمهم الكتاب!
وينقل الإمام الطبري في هذا الصدد: >وعن قتادة هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم قال: كان هذا الحي من العرب أمة أمية ليس فيها كتاب يقرؤونه فبعث اللّه نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً وهدى يهديهم به. حدثنا ابن عبد الأعلى قال ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم قال: كانت هذه الأمة أميةً لا يقرؤون كتابًا، فبعث اللّه نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً وهدى يهديهم به. حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم قال: إنما سميت أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم الأميين لأنه لم ينزل عليهم كتابًا. وقال جل ثناؤه رسولًا منهم يعني من الأميين. وإنما قال منهم لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان أميًّا وظهر من العرب. وقوله ويعلمهم الكتاب ويعلمهم كتاب اللّه وما فيه من أمر اللّه ونهيه وشرائع دينه والحكمة يعني بالحكمة: السنن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل< (3) .
وقال الإمام الشوكاني: >هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم: المراد بالأميين العرب من كان يحسن الكتابة منهم ومن لا يحسنها لأنهم لم يكونوا أهل كتاب< (1) .
وقد ورد لفظ (الأمي) مرتين في السور المكية، ولكن يلاحظ أن الآيتين المكيتين، خاصتان بالرسول صلى الله عليه وسلم. الآية الأولى جاءت في معرض كلام اللّه سبحانه وتعالى لموسى في بيان وصف المستحقين لعفوه ومغفرته، فقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} ، والآية الأخرى: {فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ} (2) .
وللعلماء كلام طويل في سبب إطلاق الأمي على الرسول صلى الله عليه وسلم، هل من أنه نسبة إلى العرب الذين ليس لهم كتاب سماوي، أو نسبةً إلى أمه باعتبار حاله حال الذي يولد من أمه لا علم له بالكتابة والقراءة، أو نسبة إلى العرب الذين لم يكن لهم حظ من العلم والمعرفة حسب رأي البعض، إلى غير ذلك من الآراء والأقوال التي لا تدخل ضمن نطاق هذا البحث. ومع كل ذلك فإن وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمي وصف ينطبق عليه واقعًا. فقد كان صلى الله عليه وسلم أميًّا لا يعرف القراءة والكتابة، أما سياق الآيات السابقة فلا يفهم بحال من الأحوال أن المقصود بهم العرب الذين لا يعرفون الكتابة والقراءة بخلاف ما ذهب إليه الأستاذ أحمد محمد شاكر رحمه اللّه في تعقيبه على مقال الأمي في دائرة المعارف الإسلامية بقوله: >سياق هذه الآيات كلها يدل على أن المراد بالأمي هو مَنْ لا يعرف القراءة والكتابة، كما هو المعنى المعروف في لغة العرب< (3) .
وعليه يتبين وبوضوح أنه بمراجعة سياق الآيات التي أطلق فيها لفظ الأميين على العرب، أنها لا تفيد هنا معنى الجهل بالقراءة والكتابة، وإنما تعني الأمية الدينية، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أمر مهم، وهو ما ذكره الأستاذ عبد الصبور شاهين بقوله: >فإذا نحن قررنا أن حديث القرآن عن (النبي الأمي) وعن (الأميين) لا يعني في التفسير الراجح سوى (الوثنيين غير أهل الكتاب) ، فلن يمنع ذلك من أن نقرر أن الأمية، بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، كانت سمة المجتمع العربي الغالبة في تلك الفترة الحضارية< (1) .