(1) أن القسم المكى يمتاز بالهروب من المناقشة، وبالخلو من المنطق، فيقول: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) [الكافرون 1،2] إلى قوله (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [6] . أما القسم المدنى فيناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين، فيقول: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء 22] .
(2) أن القسم المكى منه يمتاز بكل مميزات الأوساط المنحطة، كالعنف والشدة، والقسوة والحدة، والغضب والسباب، والوعيد والتهديد، مثل (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) [المسد 1] (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر 1، 2] (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) [الفجر 13] (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) [التكاثر 5، 6] . أما القسم المدنى فهادئٌ لَيِّنٌ وديعٌ مُسالمٌ، يقابل السوءَ بالحسنى، ويناقش الخصومَ بالحُجَّة الهادئة.
(3) أن القسم المكى يمتاز بتَقطُع الفكرة، واقتضاب المعانى، وقِصَر الآيات، والخُلُو التام من التشريع والقوانين، كما يكثر فيه القسم بالشمس والقمر والنجوم. أما القسم المدنى فأفكاره منسجمة متسلسلة، ترمى أحيانًا إلى غايات اجتماعية وأخلاقية، وفيه هدوء ومنطق وتشريع وقصص وتاريخ، وفيه التشريعات الإسلامية، كالمواريث والوصايا والزواج والطلاق والبيوع والمعاملات.
(4) لا شك أن هذا الرُقى الذى حدث للقرآن في القسم المدنى أثرٌ واضح من آثار التوراة والبيئة اليهودية التى ثقَّفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة، يشهد بها هذا التطور الفجائى الذى ظهر على أسلوب القرآن. وهذا يتضمن أن النبى تعلم من اليهود، وأن القرآن من عمله، فلما اكتسب ثقافة من اليهود ظهر ذلك في أسلوب القرآن المدنى.
(5) أن الحروف العربية غير المفهومة المفتتح بها أوائل بعض السور، إما أن يكون قُصِد منها التعمية أو التهويل، أو إظهار