الصفحة 19 من 64

أن تزول، وخُلِق الذكر والأنثى من الإنسان والحيوان والنبات ليتوالدوا ويَعمُر بهم الكون.

وجُعِل الليلُ سكنًا لهم، والنهارُ ليزاولوا فيه معايشهم، وجُعِلت السماءُ بحيث لا تنطبق على الأرض، وجُعِلت فيها الشمسُ سراجًا مضيئًا، بل أين منها كل السرج والثريات الكهربائية في جميع أنحاء المعمورة؟ إنها لا تغنى غناءها، ولا تضىء ضوءها، ولولاها لكان الناس في ظلام دامس، تثقل عليهم الحياة، ولا يقدرون على تحصيل عيشهم ومتعهم، وكما أنها منبع النور هى منبع للحرارة التى بها الحياة، ولولا الحرارة التى تنمى الكائنات، لما وُجِدت حياة حيوان ولا نبات.

وأُنزِل ماءٌ كثيرٌ كان به حياة الناس في سقيهم وإخراجِ الزروع التى بها حياتهم وحياة مواشيهم.

وكل هذا يدل على أن له خالقًا خلقه، ورتبه هذا الترتيب المحكم، ونظمه هذا النظام

البديع، وأراد منه هذه الفوائد، إذ قد جُبِلت العقول وأُودِعت الفِطَر أن كل فعل منظم، فيه غاية معينة، فهو عن فاعل، لم توجده المصادفة، ولم يوجد وحده.

ومثل الدهرى الذى ينكر الآلة، كمثل رجل يرى ساعة دقاقة، ذات عقارب وتروس وعدد ومسامير، قد فُصِّلت ورُكِّبت أجزاؤها ليدير هذا ذاك، وذاك هذا ... إلى الأخير، فيدير العقربين، فتسيران على سطح مقسم إلى اثنى عشر قسمًا، وكل قسم إلى خمسة أقسام، لتدلا على الساعات والدقائق .. ثم يزعم أن هذا الصنع المحكم، والنظام المتقن، الذى شملته العناية، وعمَّته الغاية، وأُريدَ منه شىء مخصوص، بحيث لو فَقَد جزءًا من أجزائه، أو لو رُكِّب أى جزء منه غير هذا التركيب، أو وُضِع غير هذا الوضع، لما تحركت الساعة هذه الحركة المنتظمة، ولما دلت على أجزاء الزمن ومعرفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت