الأوقات .. نقول: يزعم أن هذا الصنع المحكم أوجدته المصادفة، وليس له فاعل مختار!
هوسٌ تنبو عنه الفِطَر، وتَمُجُّه العقول!
وإن أى جزء من الكون أشد تعقيدًا وأكثر آلات من الساعة.
هذا الإنسان ـ مثلًا ـ: كم فيه من آلات دقيقة وأجهزة. وكم فيه من أعضاء خفية لها وظائف لولاها لم تَقُم حياته به، فجهاز للتنفس، وجهاز للهضم، وجهاز للدورة الدموية، وآلات للشم، وأخرى للبصر، وثانية للسمع، وثالثة للحس، ورابعة للحركة، وإن كل ما فيه ليؤدى وظيفته.
ثم إنه رُكِّب على نحو من التركيب المحكم الصنع، المنظم الوضع، ليتمكن من أداء تلك الوظيفة، تمكنًا سهلًا مريحًا، فاليدان ـ مثلًا ـ جُعِلتا بحيث يعمل بهما المرء من غير عنت ومشقة، ولذلك كانتا ذواتى مفاصل عدة، صالحة للانقباض والانبساط، ولو جعلت اليد كالخشبة لما أمكن أن تؤدى مهمتها.
وإذا كانت الساعة، لما فيها من تركيب ودقة، يُحيل العقل أن تكون صدرت
إلا عن فاعل، فبالحرىّ يُحيل العقل أن يكون الإنسان صادرًا إلا عن فاعل.
وكذلك قل في كل ما في الكون من أجزاء، ففيها تناسب في نفسها، وهى مناسبة بعضها لبعض.
وهذا هو الدليل الذى أشارت إليه الآيات المكية التى تلوناها عليك، وهو مع
سهولته ـ التى يفهمه لأجلها الجمهور ـ برهانى، يقبله أولو العلم ويقنعهم، ولكنهم يَفْضُلُون العامةَ في فهمه، لا من جهة أنهم