ومن عادة القرآن أن يجمع بين الوعد والوعيد؛ لئلا يقطع الناس الأمل، أو يتكلوا فيتركوا العمل ..
اقرأ قوله تعالى في سورة الحجر المكية: (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) [49 ـ 50]
وقوله في سورة الزمر المكية: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [53]
ثم اقرأ في سورة البقرة المدنية: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [24]
واقرأ في سورة النساء المدنية: (إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [10]
ها أنذا إلى الآن في هذين القسمين قد وفيت بما وعدت! فلم أخاصم الناقد إلى الدين، بل خاصمته إلى العقل، ولم أحتج عليه بأن هذا الكتاب مقدس، بل احتججت عليه بأن نقده لا يطابق الواقع، وأقمت له من الشواهد والأمثال ما به يئوب المنصف إلى حظيرة الحق، ويخزى المكابر ويظل وجهه مُسوَدًا وهو كظيم.
وقد وفينا أيضًا بما وعدنا، من أننا نعرض للفكرة لا لصاحبها، فناقشنا الفكرة دون أن نعرض للناقد، وحملنا النفس على مكروهها، إذ رأينا كلامًا أشبه بهذيان المحموم، فجادلناه كأنه عن عاقل صَدَر، وسمعنا ما يغثى النفس فتصبرنا، وما يهيج الأعصاب فاحتملنا ..
فهل يحلنى القراء بعد ذلك لأقول في الناقد كلمة؟!
لا أظن إلا أنهم يحلوننى! .. فقد ضجروا كما ضجرت، وأثقلوا كما أثقلت!