فتسخن عينه عند الفراق ... وتسخن عينه عند التلاقي
عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:"ثلاثٌ مُهلكاتٌ، وثلاثٌ مُنجياتٌ، فالمهلكاتُ: شُحٌّ مُطاعٌ، وهَوى مُتبعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسهِ، والمنجياتُ: تقوى الله تعالى في السرِّ والعلانية، والعدلُ في الغضبِ والرِّضى، والقصدُ في الفقر والغِنى" [1]
وغلا بعضهم في الحب غلوَّا أخرجه عن الحد، فأوبقه وأحرقه، فنطق بما يوجب الوِزر، وتكلم بما يكتب له به الإثم ..
فهذا مجنونهم يقول في اعتراض سافر على المولى العظيم القاهر:
أتوب إليك يا رحمن مما جنت ... نفسي فقد كثرت ذنوبُ
وأما من هوى ليلى ولبنى ... فإني ـ لا وربي ـ لا أتوب!
ويقول قيس بن الملوَّح عن ليلاه التي غدت قبلته وأصبحت كعبته:
أراني إذا صلَّيت يممت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلَّى ورائيا
وما بي إشراك ولكن حبّها ... وعُظمَ الجوى، أعيا الطبيب المداويا
نعوذ بالله من الخذلان!
وهذا جميل بن معمر (مجنون بثينة) يعترض على من يأمره بالجهاد في سبيل الرحمن لأنَّه مشغول بجهاد آخر في سبيل الهوى والشيطان:
يقولون: جاهد يا جميل بغزوة ... وأيُّ جهاد غيرهن أريد!
لكلِّ حديث عندهن بشاشة ... وكل قتيل عندهنَّ شهيد
وربما أخرجه حُبُّهُ من ملَّة الإسلام، ومن حياض الدين ..
فتأملوا إلى هذا العاشق البليد كيف يفضل لقاء حبيبته على توحيد ربِّ العبيد!
يرتشفن من فمي رَشَفاتٍ ... هنَّ أحلى فيه من التوحيد
(1) أخرجه البزار والطبراني في الأوسط وغيرهما، انظر: السلسلة الصحيحة (1802)