الصفحة 6 من 24

انجراف وانحراف

ومن الشباب من لم يجد من يحب من الفتيات، وكذا حيل بين بعض الفتيات وبين ما تشتهي من حب ومحبوب .. فبدأ الانحراف الآخر، والانتكاسة في الفطرة والفكرة .. والسيئة تجر أختها، وتنادي في مثيلتها؛ تعالَي .. تعالَي!

فعشق الشاب شابًا مثله .. يتصوره في ثياب حبيبته .. يشتاق إليه، ويغار عليه .. ويتلهف للقائه، ويحن لملاقاته ومجالسته ومسامرته ..

فوقع بعض الشباب في المعاصي المحرمة والفواحش الآثمة، كفاحشة قوم لوط، وكالعادة السرية ..

وتعلَّقت القلوب بغير علاَّم الغيوب، وأحبَّت المخلوقين كمحبَّة أحسن الخالقين!

إن لم تكن أكثر، وأبقى وأكبر!

* يروى أن رجلًا عشق شخصًا، فاشتدَّ كَلَفُهُ به، وتمكن حبه من قلبه، حتى وقع به ألمٌ ولزم الفراش بسببه، وتمنع ذلك الشخص عليه، واشتد نفاره عنه، فلم تزل الوسائط يمشون بينهما، حتى وعده أن يعوده، فأخبره الساعي بذلك، ففرح واشتد سروره، وانجلى غمه، وجعل ينتظر الميعاد الذي ضربه له، فبينما هو كذلك إذ جاءه الساعي، وقال له: إنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع، فكلمته، فقال لي: إنه ذكرني وفرح بي، ولا أدخل مداخل الريب، ولا أعرض نفسي لمواقع التهم، فلما سمع البائس ذلك سُقِط في يده، وعاد إلى أشد مما كان به، وبدت عليه علائم الموت، فجعل يقول في تلك الحال:

(أسلم) يا راحة العليل ... ويا شفاء المدنف النحيل

رضاك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل

فقلت له: يا فلان اتق الله! فقال: قد كان ما كان، فقمت عنه، فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت. عليه [1]

أرأيت ـ أيها الحبيب ـ كيف هوى فغوى؟!

وكم من فاحشة بغيضة تمت تحت ستار الحب الكاذب والتعلق الفاجر من شهواني غادر بغرٍّ غافل أو ساذَجٍ جاهل أو ساقطٍ سافل!

وقد ورد أنَّه"إذا علا الذكَرُ الذكرَ هرَبت الملائكة، وعجَّت الأرض إلى ربِّها، ونزل سَخَطَ الجبَّار جلَّ جلالُه، وغَشِيَتهُمُ اللعنةُ، وحفَّت بهم الشياطين، واستأذنتِ الأرض ربَّهَا أن تَخسِف بهم، وكبَّرت الملائكةُ، واستعرتِ الجحيم .."

فلا كانت لذَّةٌ توجب هذا العذاب الأليم، وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم تفنى اللذَّات، وتُعقب الحسرات، وتَفنى الشهوة، وتبقى الشِّقوة ..

تفنى اللذاذةُ ممن نال صفوتَهَا ... من الحرام ويبقى الخِزيُ والعارُ

تبقى عواقبُ سوءٍ في مغبَّتِها ... لا خيرَ في لذَّةٍ من بعدها النارُ [2]

وأحبَّت الفتاة فتاةً مثلها .. تبادلتا رسائل الحب، وتهادتا ورود الوداد، وتعانقتا عناق العشاق، وتجالستا كما يجلس الممثل المجرم مع الممثلة المجرمة .. سواءً بسواء ..

(1) التذكرة ـ القرطبي، بتصرف.

(2) روضة المحبين ـ ابن قيم الجوزية ـ ص 318

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت