إن قوله تعالى يقتضي إباحة وطئهن في الدبر؛ لورود الإباحة مطلقة غير مقيدة ولا مخصوصة [1] وقد ترك العمل به في حق الذكور؛ لدلالة الإجماع, فوجب أن يبقى معمولًا به في حق النساء [2] .
وأما الأثر: فيما يلي:
1 -ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه لما قرأ قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ) فقال: «ما تدري يا نافع فيما أنزلت هذه الآية؟» قال: «قلت: لا» قال: «في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها, فأعظم الناس ذلك, فأنزل الله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ) » قال نافع: «فقلت لابن عمر: من دبرها في قبلها؟» قال: «لا, إلا في دبرها» [3] .
2 -ما روي أن عبد الرحمن بن القاسم قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد [4] يحدث عن الحارث بن يعقوب [5] عن سعيد ابن يسار [6] قال: قلت لابن عمر: «إنا نشتري الجواري فنمحص لهن» قال: «وما الحميص؟» قال: «نأتيهن في أدبارهن» قال ابن عمر: «أف أف أف، أو يعمل هذا مسلم؟» فقال لي مالك: «فأشهد على ربيعة بن عبد الرحمن لحدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال: «لا بأس به» [7] .
وجه الدلالة من الأثرين:
دل الأثران دلالة واضحة على إباحة إتيان المرأة في الدبر.
وأما المعقول: فمن وجهين:
الأول: أن المرأة لو حرم منها شيء لحرم جميعها [8] .
الثاني: أنه لو قال للمرأة: «دبرك علي حرام» ونوى الطلاق أنه يكون طلاقًا, وهذا يقتضي كون دبرها حلالًا له [9] .
المناقشة
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 353.
(2) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 6 ص 62.
(3) الحديث له شاهد في سنن النسائي، كتاب عشرة النسائي، باب رقم 24 ج 5 ص 314.
(4) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، ولد في قرقشندة سنة 94 من الهجرة على أصح الروايات، فقيه مصر، توفي سنة 175 هـ. وفيات الأعيان ج 4 ص 128، تذكرة الحفاظ ج 1 ص 226.
(5) الحارث بن يعقوب: هو الحارث بن يعقوب بن ثعلبة, ويقال: أبو عبد الله الأنصاري المصري, والد عمرو بن الحار، روى عنه الليث بن سعد, وكان ثقة، توفي سنة 130 هـ.
سير أعلام النبلاء ج 17 ص 162، شذرات الذهب ج 3 ص 176.
(6) سعيد بن يسار: هو أبو الحباب المدني الثقة، مولى ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم- وقيل غير ذلك, روى عنه محمد بن إسحاق بن يسار، توفي سنة 117 هـ، تهذيب الكمال جـ 11 ص 120، سير أعلام النبلاء ج 5 ص 93.
(7) أخرجه النسائي في كتاب عشرة النساء، باب رقم 24 ج 5 ص 315.
(8) المحلى ج 11 ص 289.
(9) التفسير الكبير للفخر الرازي.