الصفحة 38 من 50

مناقشة أدلة أصحاب الرأي الثاني:

ناقش أصحاب الرأي الاول ما استدل به أصحاب الرأي الثاني من الكتاب, فقالوا:

1 -إن قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [1] لا حجة لكم فيه لأن (أنى) في لغة العرب التي نزل بها القرآن إنما هي بمعنى (من أين) لا بمعنى (أين) قال تعالى: (يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا) [2] أي من أين [3] وقد تأولها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين نزلت فقال: (مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج) وروت حفصة بنت عبد الرحمن [4] عن أم سلمة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (في صمام واحد) [5] فهذه الآية مخصصة بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- [6] كما أن ظاهر الكتاب يدل على أن الإباحة مقصورة على الوطء في الفرج الذي هو موضع الحرث, وهو الذي يكون منه الولد [7] .

2 -عن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [8] لا تقتضي إباحة الوطء في الدبر؛ لأن الله تعالى لما قال: (فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) [9] ثم قال في نسق التلاوة: (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [10] بين بذلك موضع المأمور به, وهو موضع الحرث, ولم يرد إطلاق الوطء بعد حظره إلا في موضع الولد، فهو مقصور عليه دون غيره [11] .

3 -ونوقش استدلالهم من الأثر بأن:

الأثر المروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مردود, وذلك لما رواه أبو النضر [12] أنه قال: إنه قال لنافع مولى بن عمر: «قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن» قال نافع: «لقد كذبوا علي, ولكن سأخبرك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض علي

(1) سورة آل عمران من الآية 223.

(2) سورة آل عمران من الآية 37.

(3) المحلى ج 11 ص 288.

(4) حفصة بنت عبد الرحمن: هي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أخت أسماء بنت عبد الرحمن كانت تحت المنذر بن الزبير، روت عن أبيها وعمتها عائشة, تابعية ثقة. تهذيب الكمال ج 35 ص 153، الثقات لابن حبان ج 4 ص 194.

(5) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب النكاح, باب في قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ) سورة البقرة من الآية 223 ج 4 ص 230، 231.

(6) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص 63.

(7) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 352.

(8) سورة المؤمنون آية 5 - 6.

(9) سورة البقرة من الآية 222.

(10) سورة البقرة من الآية 223.

(11) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 353.

(12) أبو النضر: هو أبو النضر سالم بن أمية القرشي التيمي، المدني، مولى عمر بن عبيد الله التيمي، روى عن أنس بن مالك ونافع، مات في خلافة مروان بن محمد سنة 129 هـ وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال ج 10 ص 127، سير أعلام النبلاء ج 6 ص 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت