الصفحة 39 من 50

المصحف يومًا, وأنا عنده حتى بلغ (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ) » قال نافع: «هل تدري ما أمر هذه الآية؟ إنا كنا معشر قريش نجبي [1] النساء, فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا, فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله سبحانه هذه الآية» [2] .

وهذا يدل على أن سبب النزول قد اختلف عن ابن عمر؛ لأن نافعًا قد حكى عنه غير ذلك السبب، وقد قيل عن نافع أنه أباح وطء النساء في الدبر بعد ما كبر وذهب عقله, فكيف يبيح ابن عمر وطء النساء في الدبر وهو القائل: (هي اللوطية الصغرى) [3] فبذلك تختلف الرواية عن ابن عمر, فكأنه لم يرو عنه فيه شيء؛ لتعارض ما روي عنه فيه [4] .

4 -أما ما روي عن مالك فإنه حين علم أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك نفر من ذلك, وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: «كذبوا علي, كذبوا علي، كذبوا علي» ثم قال: «ألستم قوما عربًا؟ ألم يقل الله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ) ؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟!» [5] .

5 -روى الحاكم في «مناقب الشافعي» من طريق ابن الحكم أنه حكى عن الشافعي مناظرة جرت بيه وبين محمد بن الحسن في ذلك, وأن ابن الحسن احتج عليه بأن الحرث إنما يكون في الفرج، فقال له: «فيكون ما سوى الفرج محرمًا فالتزمه» فقال: «أرأيت لو وطئها بين ساقيها, أو في أعناكها أفي ذلك حرث؟» قال: «لا» قال: «أفيحرم؟» قال: «لا» قال: «فكيف تحتج بما لا تقول به» [6] .

قال الحاكم: «لعل الشافعي كان يقول ذلك في القديم، وأما الجديد فصرح بالتحريم, ويحتمل أن يكون ألزم محمد بطريق المناظرة, وإن كان لا يقول بذلك، وإنما انتصر لأصحابه المدنيين.

وقد روى الماوري في «الحاوي» وأبو نصر بن الصباغ في «الشامل» وغيرهما عن الربيع أنه قال: «كذب والله - يعني ابن الحكم - فقد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب» وتعقبه الحافظ في «التلخيص» فقال: «لا معنى لهذا التكذيب، فإن ابن الحكم لم ينفرد به, ثم إنه لا خلاف في ثقته» .

(1) نجبي: من جبى فلان تجيبة إذا أكب على وجهه باركًا, أو وضع يديه على ركبته منجبيًا وهو قائم، والمجيبة: المنكبة على وجهها تشبيهًا بهيئة السجود، وأصل التجبية أن يقوم الإنسان قيام الراكع. النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 238، لسان العرب ج 1 ص:542.

(2) السنن الكبرى للنسائي كتاب عشرة النساء -باب 24 ج 5 ص 315.

(3) سنن البيهقي، كتاب النكاح، باب إتيان النساء في أدبارهن ج 7 ص 198، مصنف ابن أبي شيبة، كتاب النكاح، بب ما جاء في إتيان النساء في أدبارهن, وما جاء فيه من الكراهة ج 4 ص 252.

(4) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 352.

(5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص 63.

(6) فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 8 ص 57، نيل الأوطار ج 6، ص 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت