الصفحة 19 من 39

أما إذا خالف الإنسان هذا الهدي، وعمد إلى أن يسهر طويلًا، ويسمر مع من حوله إلى أن يمضي وقت طويل من الليل؛ فإن قيامه للتهجد بالليل، واستغفاره بالأسحار؛ من الأمور الصعبة، خاصة إذا كان مطالبًا في النهار بعمل يتكسب منه لنفسه ولأولاده.

ولله درَّ سيدنا عمر الذي لاحظ الارتباط الوثيق بين موضوع السهر هذا وتضييع الفضائل المشار إليها، فكان رضي الله عنه يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: (أسُمَّرًا أول الليل ونوَّمًا آخره؟ أريحوا كُتَّابكم) [1] . يعني: أريحوا الملائكة الذين يحصون أعمالكم، ويكتبونها في صحائفكم.

ويقول الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67] ، يعني أن الله تعالى ذم أقوامًا يسمرون في غير طاعة الله تعالى، إما في هذيان، وإما في إذاية) [2] .

ومما روي في التشديد على مسألة السهر تلك قول سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (من قرض بيت شعر بعد العشاء؛ لم تقبل له صلاة حتى يصبح) [3] .

ويضاف إلى ما سبق أن الذي يُبَكّرُ بالنوم يختم يومه بصلاة العشاء، فينام وقد كفرت خطاياه، فينام على سلامة، وأما الذي يسمر؛ فإن كلامه لا يخلو من لغو وباطل، وبذلك ينام وقد أضاع ثمرة الصلاة التي صلاها، ما لم يكن سمره في طاعة، كطلب علم، أو مداعبة أهل، أو مؤانسة ضيف، على ألا يكون ذلك دأبه دائمًا، ولأن تؤدي هذه الأعمال في النهار، ويُتَّبع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في التبكير بالمنام؛ لكان خيرًا للمرء في الدنيا والآخرة.

(1) فتح الباري (3/ 267) ، طبعة سنة 1978، مكتبة الكليات الأزهرية.

(2) تفسير القرطبي ص4529 تفسير سورة المؤمنون.

(3) نفس المرجع ص4530.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت