الصفحة 25 من 39

ثالثًا: ذكر الله بعد صلاة الصبح حتى طلوع الشمس:

(20) يرغب الإسلام في المحافظة على ذكر الله تعالى في جميع الأوقات.

وقد ورد الأمر بذكر الله تعالى في كثير من الآيات بشيئين:

1 ـ الكثرة.

2 ـ الدوام.

فعن الإكثار من الذكر، ورد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41] .

وعن الدوام على ذكر الله، قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما في تعليق له على هاتين الآيتين: «إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على تركه، فقال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال عز وجل: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته» [1] اهـ.

(21) هذا، وتتفاوت الأوقات من حيث أفضلية الذكر فيها من وقت لآخر، فأفضلها في الليل الثلث الأخير منه حتى يطلع الفجر، وأما في النهار فأفضل أوقات الذكر من بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس.

يقول الإمام النووي: (اعلم أن أشرف أوقات الذكر في النهار: الذكر بعد صلاة الصبح) [2] .

ويؤكد على هذا المعنى ما تكرر في القرآن الكريم من الحث على إحياء هذا الوقت خاصة بذكر الله.

قال تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] ، وقال أيضًا: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] ، وغير ذلك من الآيات.

وفي فضيلة إحياء هذا الوقت بالطاعة والذكر يقول النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم: (( من صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة ) ).

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( تامة، تامة، تامة ) ) [3] .

(22) وإلى جانب هذه التوجيهات النظرية كان لسلف الأمة الصالح اهتمام بإحياء هذا الوقت بذكر الله، وعدم قتله بالغفلة والنوم فيه.

فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس [4] .

وكان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يحيي هذا الوقت بذكر الله، فإذا أحس بالفتور أو الكسل أخذ يدور في صحن بيته، ويردد على نفسه قول الشاعر:

وكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر أي المحلين تنزل [5]

وقد شرعت في هذه الأوقات أذكار الصباح، وهي جملة من الأدعية المأثورة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحوي خيري الدنيا والآخرة، وينال قارئها من الثواب ما لا يحصى، كما شرعت ـ مع ارتفاع الشمس ـ صلاة الضحى، وهي سنة مؤكدة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذا واظب الإنسان على أدائها عُدَّ من الشاكرين الذاكرين.

(23) لأجل ذلك وغيره رأينا سلف الأمة الصالح رضوان الله عليهم يعيبون على من يدركهم هذا

(1) تفسير ابن كثير (3/ 495) تفسير سورة الأحزاب.

(2) الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار، الإمام النووي ص 70، طبعة رابعة سنة 1955 م، طبعة عيسى الحلبي.

(3) أخرجه الترمذي، وحسنه (2/ 481) ، كتاب الصلاة، باب: ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.

(4) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 107) ، وقال عنه: رواه الطبراني في الصغير ورجاله ثقات.

(5) توجيهات نبوية على الطريق، دكتور/ السيد محمد نوح (1/ 49) ، طبعة أولى سنة 1986 م، دار الوفاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت